عباس بن فرناس يسقط في سماء الجزائر

التاريخ يعيد نفسه.. عباس بن فرناس يسقط في سماء الجزائر

عباس بن فرناس يسقط في سماء الجزائر، لم يكن المهندس الجزائري يزيد دوغة رجلًا عاديًا في محيطه، بل كان واحدًا من أولئك الذين يولدون وفي أعينهم بريق حلم لا يخبو، حلمٌ بالطيران، بالتحليق خارج حدود الممكن، حتى ولو كان الثمن في نهاية الرحلة هو حياته.

في مساء يوم الإثنين، تحوّل الحلم إلى مأساة، حين سقطت طائرته اليدوية التي صممها بنفسه فوق منطقة أولاد منصور بولاية المسيلة شرقي الجزائر، لتنتهي رحلة طموحه في مشهدٍ صامتٍ حمل وجع الحالمين، وذهول الواقفين على الأرض.

الطائرة التي صنعها الحلم

الخبر كان كالصاعقة على أهالي المسيلة ومن تابعوا مسيرته عبر شبكات التواصل، فقد نعت الحماية المدنية المهندس دوغة، موضحةً أنها تدخلت في الساعة 19:26 مساءً، بعد بلاغ عن سقوط طائرة خفيفة محلية الصنع. تم نقله فورًا إلى مستشفى الزهراوي في حالة حرجة، لكنه لفظ أنفاسه الأخيرة متأثرًا بجراحه البليغة.

لم يكن دوغة يملك مختبرات ولا ميزانيات ضخمة، بل كان يعمل في ورشة بسيطة لإصلاح السيارات، ويجرب أفكاره بين قطع الخردة وأحلام الطفولة. سنوات طويلة قضاها وهو يرسم ويصمم ويحاول، لا يبحث عن شهرة ولا عن مقابل، بل عن لحظة واحدة يرتفع فيها عن الأرض ويرى حلمه يطير أمامه.

يزيد دوغة.. من ورشة كهرباء إلى جناحين

عرفه من حوله على أنه المهندس العصامي، الذي قرأ كثيرًا، وجرب كثيرًا، وابتكر بأدوات بسيطة طائرة شراعية حاول أن تكون جسده الثاني في السماء. فيديوهات متفرقة وثقت مراحل تطور مشروعه، وبدت عليه ملامح الفخر والانبهار، كيف لا وهو يشهد ثمرة عمل يديه تأخذ شكلًا وطولًا وجناحين. لكنّها كانت أيضًا لحظة قاسية، حين حانت التجربة الأخيرة، وخابت معادلة الريح والكتلة والتوازن، وسقط الجسد من السماء، كأن الأرض استعجلت استعادة أحد أنبل أبنائها.

مواقع التواصل تودّع رائدًا محليًا

رغم ألم الفقد، لم يكن خبر وفاة دوغة مجرد خبر محلي. فالتفاعل الواسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي أظهر أن قصته تجاوزت المكان. تعليقات حزينة، صور، مقاطع أرشيفية لمراحل بناء الطائرة، كلها تحولت إلى سجلٍّ لذاكرة رجل لم ينتظر دعمًا رسميًا، ولم يُنصفه إعلام، لكنه ترك بصمته في قلوب الآلاف. بعضهم شبهه بـ”عباس بن فرناس”، ذلك العالم الأندلسي الذي سبق عصره وحاول الطيران قبل أكثر من ألف عام، فنجح جزئيًا وسقط مثل دوغة، متأذيًا في ظهره بعد تجربة مذهلة في سماء قرطبة.

ابن فرناس ودوغة: جسر عبر الزمن

الوجه الآخر للمقارنة بين يزيد وعباس يفتح بابًا من التأمل، فالأول نشأ في الأندلس وسط نهضة علمية، والثاني وُلد في الجزائر وسط إمكانات بسيطة. كلاهما لم يملك تمويلًا ولا مظلات علمية رسمية، لكن كليهما كان مدفوعًا بالدهشة، والإصرار، والتجريب. عباس بن فرناس صنع أجنحة من الحرير والريش، ودرس حركة الطيور، لكنه نسي الذيل. ويزيد دوغة صنع طائرته الخفيفة، وأدرك في لحظة الهبوط كم أن التفاصيل قد تكون قاتلة.

عباس بن فرناس
عباس بن فرناس

وفاة مهندس جزائري في تحطم الطائرة

المأساة في الحالتين لم تكن في الفشل، بل في حجم التضحية مقابل غياب الدعم. ما بين قرطبة والمسيلة، وبين القرن التاسع والقرن الحادي والعشرين، ما زال الحالمون يدفعون ثمن طموحهم من جيوبهم وأجسادهم. وما زالت المؤسسات تغفل عن احتضان العقول الحرة التي تصنع أجنحتها بعرقها.

النهاية التي لم تكن نهاية

تحطم طائرة يزيد دوغة
تحطم طائرة يزيد دوغة

اليوم، يودّع الجزائريون واحدًا من أبناء بلدهم الذين قرروا الطيران خارج أسر المألوف. لم يمت دوغة فقط لأنه طار، بل لأنه اختار أن يحلم في بيئة لا تحتمل المجازفين. لكنّه رغم النهاية المؤلمة، سيظلّ رمزًا للإبداع الحر، ودرسًا للجيل المقبل، بأن الطيران لا يبدأ من المطارات، بل من الخيال، وأن من يصنع أجنحة الحلم وحده، قد يدفع حياته ثمنًا للتحليق.

الرابط المختصر: doha24.net/s/xn

اشترك في قائمتنا البريدية واحصل على آخر المنشورات لحظة ورودها

PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

إعدادات التنبيهات

notification icon
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
notification icon
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
notification icon
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
notification icon
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24