تونس تعلن تحركًا دبلوماسيًا مكثفًا لإعادة التونسيين المحتجزين في إسرائيل

دخلت قضية التونسيين المحتجزين في إسرائيل بعد اعتراض سفن “أسطول الصمود” مرحلة جديدة من الاهتمام السياسي والدبلوماسي، بعدما أعلن الرئيس التونسي قيس سعيد أن الدولة تبذل جهودًا متواصلة من أجل استعادتهم في أقرب وقت.

وقال سعيد خلال استقباله وزير الخارجية محمد علي النفطي إن العمل الدبلوماسي لم يتوقف منذ لحظة الإعلان عن حادثة الاعتراض، وإن “تونس لن تتخلى عن مسؤولياتها الوطنية تجاه أبنائها”، داعيًا إلى مضاعفة المساعي الرسمية والتنسيق مع مختلف الأطراف الدولية المعنية لإنهاء هذه الأزمة. وأكدت الرئاسة التونسية أن السلطات تتابع الملف على أعلى المستويات السياسية والقانونية، وأن الاتصالات تجري مع عدد من الدول والمنظمات الدولية لممارسة ضغوط على إسرائيل من أجل الإفراج عن النشطاء

التونسيين المحتجزين في إسرائيل

وفق تقارير إعلامية، فإن عدد التونسيين المحتجزين يقدّر بحوالي 30 ناشطًا شاركوا في الأسطول العالمي الذي يهدف إلى كسر الحصار المفروض على قطاع غزة منذ أكثر من 17 عامًا. ويضم هذا الأسطول مئات النشطاء من 46 جنسية مختلفة، من بينهم إسبان وإيطاليون وأتراك ويونانيون وفرنسيون وجزائريون.

وأفادت مصادر أن بعض المشاركين الجزائريين لا يزالون محتجزين أيضًا، في وقت لم يصدر فيه أي تعليق رسمي من السلطات الجزائرية حول مصير مواطنيها حتى الآن. ويشير مراقبون إلى أن غياب رد فعل رسمي من بعض الدول يعكس التباين في المواقف السياسية تجاه إسرائيل، ويكشف في الوقت ذاته عن حجم الصعوبات التي تواجهها الحكومات في التعامل مع ملف الأسطول.

غياب التحرك الرسمي الجزائري

وفي الوقت الذي كثّفت فيه تونس تحركاتها الدبلوماسية منذ الساعات الأولى للإعلان عن اعتقال مواطنيها المشاركين في “أسطول الصمود”، يلاحظ غياب رد فعل رسمي من السلطات الجزائرية بشأن مواطنيها الذين تم اعتقالهم في نفس العملية.

هذا الصمت أثار تساؤلات في الأوساط الإعلامية والشعبية، خاصة أنّ الجزائر عُرفت تاريخيًا بمواقف داعمة للقضية الفلسطينية، ما جعل كثيرين يتوقعون تحركًا سريعًا ومباشرًا من قبلها على غرار ما قامت به تونس. ويرى متابعون أنّ هذا الغياب قد يُفسَّر بتعقيدات المشهد السياسي الداخلي، أو ربما بانتظار السلطات الجزائرية لنتائج الوساطات الدولية الجارية قبل الإعلان عن أي موقف رسمي.

الدكتور عبد الرزاق مقري

بن غفير للمشاركين في أسطول الصمود: إنهم “إرهابيون”

روى نشطاء ممن كانوا على متن الأسطول تفاصيل مثيرة حول طريقة اعتراض السفن من قبل القوات الإسرائيلية. وأكدوا أن عملية الاقتحام تمت بعنف وسط البحر، وأن السلطات عمدت إلى تجميع النشطاء في ظروف صعبة وصفت بأنها محاولة “لإذلالهم”، خاصة بعد حضور وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير الذي أطلق تصريحات عدائية واصفًا المشاركين بأنهم “إرهابيون”.

وتظهر مقاطع مصورة بثت على مواقع التواصل الاجتماعي أن بن غفير دخل في جدال حاد مع بعض المحتجزين، وحاول فرض روايته من خلال التحدث بالعبرية التي لم يفهمها أغلب النشطاء، لكن رد فعلهم كان بترديد شعارات “فلسطين حرة” رغم محاولات إسكات الصوت أو إعادة تصوير اللقطات بما يخدم الرواية الرسمية الإسرائيلية.

هتافات رغم التعتيم الإعلامي

تسعى السلطات الإسرائيلية إلى التحكم في السرد الإعلامي المتعلق بالحادثة، حيث ظهر في بعض الفيديوهات أن الصوت قُطع في لحظات معينة أو أن المشاهد أعيد تصويرها، في محاولة لتغيير الصورة الحقيقية للمواجهة. ومع ذلك، فإن ما ظهر بوضوح هو تمسك النشطاء بمواقفهم التضامنية مع غزة ورفضهم الانصياع للتهديدات.

هذا المشهد أعاد إلى الأذهان مشاهد مماثلة من “أسطول الحرية” عام 2010، حين أقدمت البحرية الإسرائيلية على اعتراض سفن كانت تحمل مساعدات إنسانية للقطاع، ما أثار حينها موجة إدانات واسعة. وبالنسبة للمراقبين، فإن هذا التعتيم الإعلامي يعكس القلق الإسرائيلي من التأثير الرمزي لمثل هذه المبادرات الشعبية الدولية.

إضراب عن الطعام ورسائل احتجاج

كشفت مصادر حقوقية أن عددًا من المحتجزين قرروا الدخول في إضراب عن الطعام منذ الساعات الأولى لاعتقالهم، في خطوة احتجاجية ضد ظروف الاحتجاز وضد ما وصفوه بـ”الاعتقال غير الشرعي”.

ويؤكد خبراء أن هذه الخطوة تحمل أبعادًا سياسية، فهي وسيلة لإثارة الرأي العام الدولي وتسليط الضوء على الانتهاكات، خاصة في ظل وجود محتجزين من دول أوروبية وغربية قد تمارس ضغوطًا أكبر على إسرائيل مقارنة بالدول العربية. ويرى متابعون أن الإضراب قد يشكّل عامل ضغط إضافي على تل أبيب، لا سيما إذا نجح في استقطاب تغطية إعلامية واسعة من المنصات الدولية

الموقف الإسرائيلي والدفاع عن الحصار

من جهتها، دافعت السلطات الإسرائيلية عن اعتراض الأسطول، معتبرة أن ما قامت به يدخل ضمن “حقها المشروع” في فرض حصار بحري على غزة لمنع دخول ما تصفه بالأسلحة أو المواد التي قد تُستخدم ضدها. وأعلنت وزارة الخارجية الإسرائيلية أنها شرعت بالفعل في ترحيل بعض النشطاء الأجانب، حيث تم ترحيل أربعة إيطاليين خلال الساعات الماضية، فيما يجري التحضير لترحيل آخرين في وقت لاحق.

وتؤكد إسرائيل أن الأسطول كان “محاولة لاستفزازها سياسيًا وإعلاميًا”، في حين يشدد منظمو الحملة على أنها مبادرة سلمية ذات بعد إنساني تهدف فقط إلى إيصال رسالة تضامن مع سكان غزة الذين يعيشون أوضاعًا إنسانية صعبة تحت الحصار

جدل قانوني في المياه الدولية

إحدى النقاط الأكثر إثارة للجدل هي أن عملية الاعتراض جرت في المياه الدولية، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى قانونية الخطوة. فبحسب القانون البحري الدولي، لا يُسمح للدول باعتراض سفن مدنية في المياه الدولية إلا في حالات استثنائية مثل مكافحة القرصنة أو تهريب البشر أو إذا كان هناك تفويض دولي.

وتعتبر منظمات حقوقية أن ما حدث يشكل انتهاكًا واضحًا للقانون الإنساني الدولي، خاصة أن السفن لم تكن تحمل معدات عسكرية بل نشطاء مدنيين. وكالة “أسوشيتد برس” الأمريكية أشارت بدورها إلى أن الحادثة تعيد طرح إشكالية شرعية الحصار الإسرائيلي على غزة، وما إذا كان يبرر عمليات اعتراض في عرض البحر

التحركات التونسية والخيارات المطروحة

على الصعيد التونسي، تبدو السلطات في سباق مع الزمن لإعادة مواطنيها. فإلى جانب التصريحات الرسمية للرئاسة ووزارة الخارجية، يُتوقع أن تفعّل تونس قنواتها الدبلوماسية مع عدد من الدول الصديقة والهيئات الدولية. وقد تلجأ إلى التنسيق مع تركيا، التي تعد من أبرز الداعمين للمبادرات الشعبية لكسر الحصار، أو مع دول أوروبية مشاركة في الأسطول.

التونسيين المحتجزين في إسرائيل

كما يمكن أن تستفيد تونس من دعم دولي عبر مجلس حقوق الإنسان أو الأمم المتحدة من أجل ممارسة ضغوط قانونية وسياسية على إسرائيل. لكن مراقبين يحذرون من أن المفاوضات قد تكون معقدة وطويلة في ظل التعنت الإسرائيلي والرغبة في استخدام هذه القضية كورقة ضغط

السيناريوهات المحتملة

يرجّح المتابعون عدة سيناريوهات لمصير المحتجزين. السيناريو الأول يتمثل في الإفراج السريع عن جميع النشطاء بعد ضغوط دبلوماسية مكثفة، خاصة إذا تدخلت أطراف دولية نافذة. أما السيناريو الثاني فيتوقع الإفراج التدريجي عن بعض الجنسيات، خصوصًا الأوروبية، بينما يظل مواطنو دول أخرى رهائن لمفاوضات أطول.

السيناريو الثالث والأصعب هو رفض إسرائيل الإفراج الفوري وفتح مسار قضائي ضد بعض النشطاء بتهم أمنية، وهو ما قد يطيل فترة الاحتجاز ويفتح الباب أمام مزيد من التعقيد. وفي كل الحالات، يبدو أن تونس مضطرة لتكثيف جهودها وعدم الاكتفاء بالتصريحات من أجل ضمان عودة مواطنيها سالمين

قضية رمزية أبعد من تونس

بعيدًا عن الجانب التونسي المباشر، تحمل حادثة “أسطول الصمود” بعدًا رمزيًا يتجاوز الحدود الوطنية. فهي تعكس استمرار حيوية القضية الفلسطينية في الضمير العالمي، حيث اجتمع مئات النشطاء من قارات مختلفة في مبادرة سلمية تهدف إلى تحدي الحصار. كما أنها تفضح ازدواجية المعايير في المواقف الدولية، إذ يتسامح بعض الأطراف مع خرق القوانين الدولية حين يتعلق الأمر بإسرائيل.

ويرى مراقبون أن هذه الحادثة قد تعزز من جديد حراك المجتمع المدني العالمي المناهض للحصار على غزة، رغم المخاطر الأمنية والاعتقالات التي قد يتعرض لها المشاركون

حادثة اعتراض “أسطول الصمود” وضعت تونس أمام اختبار دبلوماسي وسياسي صعب، كما أعادت إلى الواجهة النقاش الدولي حول شرعية الحصار الإسرائيلي على غزة. وبينما تواصل السلطات التونسية جهودها لإعادة مواطنيها المحتجزين، يبقى الملف مفتوحًا على احتمالات متعددة، من الإفراج السريع إلى الترحيل التدريجي أو حتى المواجهة القضائية.

وفي كل الأحوال، فإن الشعارات التي رفعها النشطاء وهم يهتفون “فلسطين حرة” تؤكد أن القضية الفلسطينية ما تزال قادرة على استقطاب أصوات حرة من مختلف أنحاء العالم، وأن محاولات التعتيم الإعلامي أو الوصم السياسي لن تنجح في طمس رمزية التضامن العالمي مع غزة

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

إعدادات التنبيهات

دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
Exit mobile version