في لحظة مؤثرة قبل استشهاده، ترك مراسل قناة الجزيرة في غزة أنس الشريف رسالة وداع مفعمة بالألم والحب والإصرار. هذه الوصية التي نشرتها الصحفية خديجة بن قنة، ليست مجرد كلمات تقال في وداع، بل هي إعلان موقف ونهج حياة رسمه الشهيد بدمه وروحه. أنس الشريف، الذي كان ينتظر الشهادة في أي لحظة، استغل كلماته الأخيرة ليؤكد إيمانه بقضيته ويخاطب بها العالم، تاركًا خلفه إرثًا من الصمود والثبات.

وصية أنس الشريف
افتتحت الوصية بتحية السلام التي حملت في طياتها إحساسًا عميقًا بالمسؤولية والوداع. أنس الشريف لم يكن مجرد مراسل ينقل أخبار الحرب، بل كان صوتًا لأبناء شعبه من مخيم جباليا، الذي نشأ فيه بين أزقته وحاراته. عبّر بصدق عن جهده الدؤوب ليكون سندًا وصوتًا لقضيته منذ لحظة طفولته، مؤكدًا أن حلمه الأكبر كان أن يعود مع أهله إلى بلدته الأصلية عسقلان المحتلة (المجدل). لكنه سلّم بأن مشيئة الله كانت أسرع من أحلامه.
تجلّت في هذه الكلمات معاناة عميقة، إذ قال: “عشت الألم بكل تفاصيله، وذُقت الوجع والفقد مرارًا، ورغم ذلك لم أتوان يومًا عن نقل الحقيقة كما هي بلا تزوير أو تحريف”. هنا، برزت المصداقية التي التزم بها الشريف، إذ لم يسمح أبدًا لأي ضغط أو تهديد أن يوقف قلمه أو يغيّر رسالته. كان هذا جزءًا من ميثاقه المهني والإنساني، حيث اعتبر أن نقل الحقيقة هو جهاد بحد ذاته.
هذه وصيّتي، ورسالتي الأخيرة.
إن وصلَتكم كلماتي هذه، فاعلموا أن إسرائيل قد نجحت في قتلي وإسكات صوتي.
بداية السلام عليكم ورحمة الله وبركاتهيعلم الله أنني بذلت كل ما أملك من جهدٍ وقوة، لأكون سندًا وصوتًا لأبناء شعبي، مذ فتحت عيني على الحياة في أزقّة وحارات مخيّم جباليا للاجئين،…
— أنس الشريف Anas Al-Sharif (@AnasAlSharif0) August 10, 2025
وصية لفلسطين وأهلها: درة التاج
توجّه أنس في وصيته برسالة ملتهبة إلى فلسطين، التي وصفها بدرة تاج المسلمين ونبض قلب كل حرّ في العالم. تناول في وصفه ما يعيشه أطفال فلسطين المظلومون، الذين لم يُمهلهم العمر ليحلموا أو يعيشوا في سلام، وجسدهم الطاهر يتحطم تحت آلاف الأطنان من القنابل والصواريخ. هذه الصورة القاسية أراد أن تثبت في أذهان العالم، كرسالة تحذير وتذكير بالدماء التي تسيل على أرض مقدسة.
كما أوصى أن لا تكون القيود ولا الحدود حواجز أمام الأحرار في العالم، داعيًا الجميع لأن يكونوا “جسورًا نحو تحرير البلاد والعباد حتى تشرق شمس الكرامة والحرية على بلادنا السليبة”. هذه الدعوة تعكس رؤية واضحة لإيمانه بأن الحرية لا تُنتزع إلا بالمقاومة والصمود، وأن لكل إنسان مسؤولية في حمل شعلة التحرير.
وصية للعائلة: إنسانية خلف الكاميرا
لم تنسَ وصية أنس الجانب الإنساني في حياته، إذ خُصّصت كلمات رقيقة لعائلته التي تركها خلفه في محنة الحرب. تحدث عن ابنته “شام” التي لم تكتب له الأيام أن يراها تكبر، وعن ابنه “صلاح” الذي تمنّى أن يكون له عونًا ورفيق درب. هذا الجزء يبرز الجانب العاطفي للصحفي الذي لم يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل كان أبًا وزوجًا محبًا.
كما عبر الشريف عن شكره وامتنانه لوالدته، التي كان دعاؤها بمثابة حصنه ونوره في مواجهة الصعاب، داعيًا الله أن يربط على قلبها ويجزيها خير الجزاء. أما زوجته “أم صلاح”، فكانت صمام الأمان في حياته، إذ وصَفها بأنها جذع زيتونة لا ينحني، صابرة ومحتسبة في غيابه. وهذا الوصف يشي بحجم التضحيات التي تحمّلتها عائلته في سبيل الاستمرار في رسالته الإعلامية والإنسانية.

الثبات على المبدأ والإيمان بالقدر
اختتم أنس وصيته بتأكيد راسخ على إيمانه بقضاء الله، ورضاه بالقضاء والقدر. أعلن أنه يموت ثابتًا على المبدأ، مؤمنًا بلقاء الله، ومتيقنًا أن ما عند الله خير وأبقى. رفع دعاءه بأن يتقبله الله في الشهداء، وأن يجعل دمه نورًا يضيء درب الحرية لشعبه وأهله.
في ختام رسالته طلب أن يسامحه الناس إن كان قد قصر، وطلب منهم ألا ينسوا غزة، وألا ينسوه من صالح الدعاء. هذه الكلمات تحمل معنى عميقًا عن التضحية، والوفاء، والرحمة، وعن مسؤولية المجتمع تجاه القضية التي استشهد من أجلها.
لحظة الاستشهاد: النهاية التي كانت متوقعة
كانت لحظة استشهاد أنس الشريف مأساوية لكنها لم تكن مفاجئة له أو لمن عرفوه، إذ كان ينتظر الموت في أي لحظة كونه على خط النار دائمًا. أثناء تواجده أمام مجمع الشفاء، حيث كان الصحفيون ينقلون تفاصيل العدوان، سقطت قذيفة الاحتلال على مقربة منه وأصابت جسده، لتكتب النهاية لجسد لم يتوقف يومًا عن حمل الحقيقة.
هذه اللحظة كشفت أيضًا عن المعاناة اليومية للصحفيين في غزة، الذين لا يحظون بأي حماية، ويواجهون خطر الموت في كل لحظة، وهم ينقلون للعالم مشاهد الألم والدمار. استشهاد أنس لم يكن فقط خسارة شخصية بل فقدانًا لصوت الإنسانية والصحافة الحرة في وجه آلة الحرب.
الرسالة الأكبر: الحقيقة التي لا تموت
وصية أنس الشريف ليست مجرد كلمات وداع، بل هي إعلان مبادئ وإنسانية نادرة في زمن الحروب. لقد أثبت أن الصمت هو تواطؤ، وأن الكلمة الصادقة والموقف الشجاع هما من أقوى الأسلحة في مواجهة الظلم. دعوتُه إلى عدم السكوت، وعدم القبول بالقيود، تشكل تحديًا لكل ضمير حي حول العالم أن يقف مع الحق.
لقد جسد أنس موقف الصحفي الفلسطيني الذي لا يكتفي بتوثيق المعاناة، بل يحملها في قلبه وروحه. لم يكن عمله مجرد مهنة، بل رسالة وطنية وإنسانية استشهد في سبيلها. هذه الوصية تبقى شهادة حية على أهمية الإعلام الحر، وعلى الثمن الكبير الذي يدفعه من يقفون على خط المواجهة.
وصية تبقى في الذاكرة
أنس جمال الشريف ترك لنا رسالة لا تموت، حملها في قلبه حتى الرمق الأخير. كانت وصيته صرخة حق وصمود، مؤمنة بأن دماء الشهداء ليست خسارة، بل نور يضيء طريق الحرية والكرامة. نترك خلفه أسرة حزينة وأمة تستلهم من عزيمته، ورسالة صارخة بأن الحقيقة لا تموت مع صاحبه، بل تزداد إشعاعًا عبر الزمن.
تشييع الزميل الصحفي أنس الشريف في مجمع الشفاء الطبي
شهد مجمع الشفاء الطبي في غزة، اليوم، مراسم تشييع الزميل الصحفي أنس الشريف، الذي استشهد أثناء أداء واجبه المهني في تغطية الأحداث الميدانية. وحضر التشييع جمع غفير من الأهل والزملاء والمهنيين، مؤكدين على شجاعته وإخلاصه في نقل الحقيقة، وسط أجواء من الحزن والوفاء لذكراه.
من تشييع الزميل الصحفي أنس الشريف في مجمع الشفاء الطبي pic.twitter.com/RU1kwnLXc5
— جريدة القدس (@alqudsnewspaper) August 11, 2025






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.