بشار الأسد يعدم حفيد أمير عربي

بالدليل..بشار الأسد يعدم حفيد أمير عربي

كشفت وثائق رسمية عُثر عليها مؤخراً عن مصير مأساوي يؤكد أن بشار الأسد يعدم حفيد أمير عربي داخل أحد سجون نظامه سيئة السمعة. الوثائق التي أعلنت وزارة الداخلية السورية العثور عليها أظهرت اسم الدكتور محمد خلدون محمد مكي الحسني الجزائري وتاريخ دخوله سجن صيدنايا شمالي دمشق، مع أمر إعدام صادر بحقه يحمل التوقيع الشخصي للرئيس بشار الأسد.

وبحسب ما تداولته مصادر حقوقية وإعلامية، تم تنفيذ حكم الإعدام بتوجيه من رئيس مكتب الأمن القومي آنذاك علي مملوك وبمصادقة مباشرة من الأسد.

وأثارت هذه المعلومات صدمة واسعة، إذ وصف ناشطون إعدام حفيد أحد رموز الحرية والمقاومة داخل “أقبية الرعب” في سجن صيدنايا بأنه “جريمة جديدة في سجل الطغاة”.

من هو الشيخ خلدون الحسني الجزائري؟

الشيخ محمد خلدون الحسني الجزائري هو طبيب أسنان سوري من أصول جزائرية، وباحث أكاديمي في العلوم الشرعية الإسلامية، وفقيه مالكي جامع للقراءات القرآنية العشر. عُرف بتعمقه في علم الحديث والأنساب والتاريخ، خاصة أنساب آل البيت، إلى جانب كونه باحثاً متخصصاً في تاريخ جده الأمير عبد القادر الجزائري.

الشيخ خلدون الحسني الجزائري
الشيخ خلدون الحسني الجزائري

ولد الشيخ خلدون في مدينة دمشق بتاريخ 2 يناير/كانون الثاني 1970 لعائلة عريقة جمعت بين العلم والدين. كان والده الدكتور مكي الحسني من أوائل الحاصلين على دكتوراه في الفيزياء النووية في العالم العربي وأمينًا لمجمع اللغة العربية بدمشق، مما وفر للشيخ خلدون بيئة علمية مميزة منذ نشأته.

تميز خلدون الحسني بشخصية علمية ودينية موسوعية، إذ كان إلى جانب عمله كطبيب أسنان إماماً وخطيباً صاحب إجازة للإفتاء على المذهب المالكي. حفظ القرآن الكريم برواياته المختلفة، وحاز إجازة في القراءات العشر، واشتُهر بتبحّره في الفقه والتاريخ الإسلامي. ونظراً لاهتمامه بالفكر النقدي، ألّف كتاباً بعنوان “إلى أين أيها الحبيب الجفري” انتقد فيه بعض الممارسات الصوفية. وقد أدى طرحه الجرئ في هذا الكتاب ومواقفه المعارضة للفساد إلى اصطدامه مع سلطات النظام السوري.

اعتقاله والمحاكمة السرية

تعرض الشيخ خلدون الحسني الجزائري لمضايقات من النظام السوري بسبب آرائه الجريئة. في 26 أغسطس 2008 اعتقلته أجهزة الأمن من أمام منزله في دمشق واحتجزته لأشهر عدة، ويُرجح أن يكون السبب آراؤه الواردة في كتابه الناقد لبعض الشخصيات الدينية. وقد استنكرت اللجنة السورية لحقوق الإنسان آنذاك توقيفه التعسفي وطالبت بالإفراج الفوري عنه واحترام حرية التعبير. أُفرج عنه لاحقاً بعد قرابة شهر من الاعتقال.

بشار الأسد يعدم حفيد أمير عربي

مع اندلاع الاحتجاجات في سوريا عام 2011، وجد الشيخ خلدون نفسه مجدداً في دائرة الاستهداف. ففي 5 يونيو 2012 داهمت قوة أمنية منزله في منطقة مشروع دمر بدمشق واعتقلته للمرة الثانية، وصادرت سيارته واقتادته إلى جهة مجهولة.

انقطعت أخبار الشيخ تماماً بعد ذلك، لتفاجأ عائلته في وقت لاحق بإعلان وسائل إعلام محلية صدور حكم إعدام بحقه عن محكمة عسكرية في دمشق بتهمة معارضة النظام. تقول والدته إنهم علموا بأمر الحكم عبر الراديو والتلفزيون فقط، دون أي تبليغ رسمي، وإن ابنها حوكم سراً دون حضور أي محامٍ أو إبلاغ الأسرة. وأوضحت أن ابنها كان طبيباً ومؤرخاً يهتم بكتابة تاريخ جده الأمير، ولا صلة له بأي تنظيم سياسي معارض يمكن أن يبرر اعتقاله.

عائلة الأمير عبد القادر في سوريا

أثار نبأ الحكم الغيابي بإعدام الشيخ خلدون صدمة لدى عائلته وعموم الجالية ذات الأصول الجزائرية في سوريا. عائلة الأمير عبد القادر المقيمة في دمشق وجهت مناشدة عاجلة إلى السلطات الجزائرية، وعلى رأسها الرئيس آنذاك عبد العزيز بوتفليقة، للتدخل لإنقاذ حفيد الأمير من حبل المشنقة.

كما انضمت منظمات حقوقية سورية وجزائرية إلى هذه المناشدات، بينها الحركة الحقوقية الجزائرية والرابطة الجزائرية للدفاع عن حقوق الإنسان، مطالبة بوقف تنفيذ الحكم وإطلاق سراح المعتقل. لكن جميع هذه الجهود قوبلت بالتجاهل؛ إذ لم تستجب سلطات دمشق ولا وصل رد شافٍ من الجانب الجزائري. وبقي الدكتور خلدون حينها مختفياً قسرياً في معتقلات النظام السوري، ولا يُعرف مصيره أو مكان احتجازه طوال سنوات.

وثائق تؤكد الإعدام في سجن صيدنايا

ظل مصير الشيخ خلدون الحسني مجهولاً إلى أن برزت مستجدات مفاجئة بعد أكثر من عقد على اعتقاله. ففي يناير/كانون الثاني 2025 أعلنت مؤسسة الأمير عبد القادر الجزائري – على لسان الناطقة باسمها آسيا زهور بوطالب – تأكيد وفاة الشيخ خلدون داخل سجن صيدنايا سيّئ السمعة في سوريا.

وأوضحت بوطالب في منشور لها أن أرشيفات السجن كشفت أن الشيخ خلدون اعتُقل عام 2012 وتوفي عام 2015. هذه المعلومات تعززت مع تداول وزارة الداخلية السورية وثائق رسمية تُثبت تنفيذ حكم الإعدام بحق الدكتور خلدون الحسني الجزائري داخل سجن صيدنايا بتاريخ 15 أبريل 2015.

الوثائق الموقعة من بشار الأسد نفسه بيّنت أن الإعدام تم بتوصية أمنية عليا، مما أكد الشكوك التي راودت عائلته لسنوات حول مقتله أثناء احتجازه.

سجين صيدنايا العسكري

شكلت هذه الكشف صدمة كبيرة، لكنه للأسف جاء ضمن سياق مأساوي أوسع. فسجن صيدنايا العسكري، الذي نُفذ فيه الإعدام، يُعرف بأنه أحد أسوأ معتقلات النظام السوري وأشدها فتكاً بالمعتقلين. وصفته منظمة العفو الدولية بأنه “مسلخ بشري” شهد حملة سرية ومنهجية من الإعدامات الجماعية والإبادة بحق السجناء السياسيين.

وبحسب تقرير “مسلخ بشري: شنق جماعي وإبادة في سجن صيدنايا” الذي أصدرته المنظمة عام 2017، فإن ما يصل إلى 13 ألف معتقل أُعدموا شنقاً بشكل سري في صيدنايا بين 2011 و 2015، بمعدل 50 سجيناً كل أسبوع يتم إخراجهم من زنزاناتهم ليلاً وضربهم ثم شنقهم جماعياً.

معظم الضحايا كانوا من المدنيين المعارضين لحكم الأسد، في حملة صنفتها العفو الدولية كسياسة إبادة جماعية ممنهجة. ولا يقتصر الأمر على صيدنايا وحده؛ فقد وثقت منظمات حقوقية دولية اختفاء عشرات الآلاف من السوريين قسرياً في مراكز الاحتجاز خلال فترة الحرب. ومع انتهاء المعارك وفتح بعض السجون عام 2024، قدّرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن عدد المعتقلين الذين لا يزال مصيرهم مجهولاً يتجاوز 112 ألف شخص منذ عام 2011 حتى اليوم، مما يشير إلى فظاعة ما جرى خلف أسوار السجون طيلة سنوات الصراع.

نسب شريف وصلته بالأمير عبد القادر الجزائري

تأتي فاجعة إعدام الشيخ خلدون الحسني الجزائري لتسلط الضوء على مكانته النسبية والتاريخية أيضاً. فهو سليل عائلة علم وأنساب عريقة تمتد جذورها إلى آل البيت النبوي؛ حيث تشير دراسات تاريخية إلى أن أسرته تنتسب إلى الأدارسة الذين يتصل نسبهم مباشرة بالإمام إدريس بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب وفاطمة الزهراء بنت النبي محمد.

بهذا النسب الشريف، يجمع الشيخ خلدون بين الإرث العلمي والديني من جهة، وبين المجد التاريخي والقومي من جهة أخرى، كونه حفيد الأمير عبد القادر الجزائري. والأمير عبد القادر (1808-1883) يُعتبر مؤسس الدولة الجزائرية الحديثة وأحد أبرز رموز المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي.

استقر الأمير في دمشق عام 1855 بعد نفيه من قبل الفرنسيين، وأصبح شخصية مؤثرة في المجتمع السوري آنذاك. وقد خلّد اسمه بموقفه الإنساني النبيل خلال أحداث الفتنة الطائفية في دمشق عام 1860، إذ بادر إلى حماية آلاف المسيحيين من المجازر، مسطراً صفحة مضيئة في تاريخ سوريا الحديث. توفي الأمير عبد القادر في دمشق ودُفن فيها، قبل أن تُنقل رفاته إلى الجزائر عام 1966، لكن ذكراه وإرثه بقيا حيين في وجدان السوريين والجزائريين على حد سواء.

الأمير عبد القادر الجزائري
الأمير عبد القادر الجزائري

تاريخ مشرق للأمير عبد القادر في دمشق

في ظل هذا الإرث، كان الشيخ خلدون بمثابة جسر حي يربط بين تاريخ مشرق مثّله جده الأمير عبد القادر وبين واقع مظلم عاشته سوريا تحت حكم الأسد. لقد مثّل وجوده امتداداً لقيم الشهامة والعلم والدين التي حملها أسلافه، ما جعل استهدافه من قبل النظام السوري بمثابة رسالة قمع وترهيب تتجاوز شخصه إلى ما يمثله من رمزية.

وقد أشار مراقبون إلى المفارقة المؤلمة في أن حفيد الأمير الذي حمى الأرواح البريئة في دمشق قبل قرن ونصف، انتهى به المطاف ضحية للتعذيب والتصفية في سجون نفس المدينة على يد نظام الأسد.

سياق سياسي وإنساني أوسع

تندرج قضية إعدام الشيخ خلدون الحسني الجزائري ضمن السياق الأوسع للانتهاكات الحقوقية التي ارتكبها النظام السوري خلال سنوات الحرب. فقد اعتمد نظام الأسد على القمع الأمني الشديد لإسكات أصوات المعارضة والنشطاء، بغض النظر عن مكانتهم العلمية أو الاجتماعية. وشهدت سوريا خلال العقد الماضي حملات اعتقال واسعة طالت عشرات الآلاف من المواطنين، بينهم أطباء ومثقفون ورجال دين، تعرض كثير منهم للإخفاء القسري والتعذيب المفضي إلى الموت.

سجن صيدنايا تحديداً برز كرمز لهذا القمع الدموي، حتى وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بـ”مقبرة جماعية بطيئة للمعتقلين” نظراً لما وثقته من أنماط التعذيب الممنهج والإعدامات دون محاكمة داخله. وفي عام 2014 سُرّبت آلاف الصور لضحايا التعذيب في سجون النظام (قضية “ملف قيصر”)، مما كشف جانباً من حجم الجرائم التي ترقى إلى جرائم ضد الإنسانية بحسب تصنيف المنظمات الدولية.

ملف إعدام الشيخ خلدون الحسني الجزائري

على الجانب الآخر، أثارت قضية الشيخ خلدون تعاطفاً شعبياً واسعاً في الجزائر وضمن الجاليات الجزائرية عبر العالم. فقد رأى كثيرون في محنته امتداداً للتضحيات التي قدمتها أسرة الأمير عبد القادر تاريخياً في مقارعة الظلم والاستبداد. وبعد تأكد نبأ استشهاده في المعتقل، صدرت دعوات من نشطاء جزائريين لتكريم ذكراه وفتح تحقيقات لكشف ملابسات مقتله ومحاسبة المتورطين فيه.

كما تجدد التساؤل حول دور السلطات الجزائرية في تلك الفترة، وكيف قرر بشار الأسد يعدم حفيد أمير عربي وسبب عدم تمكنها من تأمين إطلاق سراح أحد أبنائها المنحدرين من نسب قائد وطني بحجم الأمير عبد القادر. وبالمجمل، أعادت هذه القضية تسليط الضوء على معاناة عشرات آلاف المعتقلين السوريين الذين لا يزال كثير منهم مجهول المصير، وعلى ضرورة تفعيل آليات المساءلة الدولية لضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجسيمة من العقاب.

الرابط المختصر: doha24.net/s/se

اشترك في قائمتنا البريدية واحصل على آخر المنشورات لحظة ورودها

PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

إعدادات التنبيهات

notification icon
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
notification icon
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
notification icon
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
notification icon
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24