شهدت السواحل التونسية خلال الساعات الأولى من صباح الثلاثاء حادثة أثارت الكثير من التساؤلات، بعد اندلاع حريق في القارب الرئيسي لأسطول الصمود المعروف باسم “فاميلي”. وبينما أكد منظمو الأسطول أن ما جرى كان نتيجة استهداف مباشر بطائرة مسيّرة حارقة، خرجت السلطات التونسية سريعًا لتنفي تلك الرواية بشكل قاطع،و تكشف حقيقة الهجوم على أسطول الصمود، معتبرة أن الحريق وقع لأسباب داخلية لا علاقة لها بأي هجوم خارجي.
حقيقة الهجوم على أسطول الصمود
وقد فتح هذا التناقض في التصريحات الباب أمام جدل واسع محليًا ودوليًا، خاصة أن الأسطول كان يستعد للإبحار في مهمة إنسانية رمزية لكسر الحصار المفروض على قطاع غزة.
أسطول الصمود المتجه إلى غزة يؤكد في بيان له استهداف أحدى سفنه الرابضة في ميناء سيدي بوسعيد التونسي من قبل درون ويقول لن يتراجع عن الابحار باتجاه غزة رغم الترهيب والتهديد،
وكان الحرس التونسي قد نفى استهداف السفينة من طائرة مسيرة وقال إن سيجارة أو قداحة تسببت بالحريق pic.twitter.com/vWfUiFToE7— Wejdene Bouabdallah 🥏 (@tounsiahourra) September 9, 2025
الرواية التونسية: حريق داخلي لا هجوم خارجي
في أول تعليق رسمي، قال الناطق باسم الحرس الوطني التونسي، العميد حسام الدين الجبابلي، إن المعطيات الأولية تشير إلى أن الحريق لم يكن نتيجة هجوم، بل سببه خلل داخلي أدى إلى اشتعال النيران في سترة نجاة داخل القارب. وأوضح الجبابلي أن الأجهزة الأمنية والعسكرية لم ترصد أي طائرة مسيّرة في الأجواء التونسية في تلك اللحظة، مضيفًا أن التحقيقات لا تزال متواصلة للتأكد من التفاصيل. وشدد على أن تونس تتعامل بجدية مع مثل هذه الحوادث، لكن من الضروري انتظار نتائج التحقيق وعدم الانجرار وراء فرضيات غير مؤكدة.
وتحمل تصريحات الجبابلي دلالات واضحة، فهي من جهة تسعى إلى طمأنة الرأي العام حول سلامة الأجواء والمياه الإقليمية التونسية، ومن جهة أخرى تؤكد أن تونس لا تريد الدخول في سجالات دولية غير مبنية على أدلة قاطعة.
رواية الأسطول: مسيّرة حارقة وراء الحريق
في المقابل، تمسك منظمو “أسطول الصمود” بروايتهم القائلة إن القارب “فاميلي” تعرض لهجوم بطائرة مسيّرة حارقة أثناء وجوده في المياه التونسية. وقال تياغو أفيلا، أحد أعضاء إدارة الأسطول، إن الهجوم وقع بشكل متعمد، ونشر الفريق الإعلامي مقطع فيديو زعم أنه يوثق لحظة استهداف القارب. كما أكد الناطق باسم الأسطول، سيف أبو كشك، أن هذا الحادث لن يوقف مسيرة الأسطول، مشددًا على أن الرحلة مستمرة حتى تصل إلى غزة وتكسر الحصار المفروض عليها.
ويعتمد منظمو الأسطول على شهادات الناشطين الذين كانوا على متن القارب، إضافة إلى مقطع الفيديو، لتعزيز روايتهم. غير أن السلطات التونسية لا ترى في هذه الأدلة ما يكفي لتأكيد وقوع هجوم خارجي، ما يضع الروايتين في مواجهة مفتوحة بانتظار نتائج التحقيقات.
التدخل التونسي للسيطرة على الوضع
بمجرد اندلاع الحريق، تدخلت فرق الحماية المدنية التونسية لإخماد النيران والسيطرة على الوضع. وقد تمكنت السلطات من إخماد الحريق دون تسجيل أي إصابات بين أعضاء الأسطول، وهو ما أكسب الأجهزة الأمنية التونسية إشادة من المشاركين في العملية. وأكدت مصادر من الشرطة البحرية أن وحداتها تابعت الوضع بدقة، وتم اتخاذ إجراءات احترازية لتأمين القارب والميناء على حد سواء.
هذه السرعة في التدخل عكست مستوى الجاهزية لدى الأجهزة التونسية، لكنها في الوقت نفسه وضعت الحكومة أمام تحدي مواجهة الاتهامات الدولية التي انتشرت عبر الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي.
موقف أممي يثير مزيدًا من التساؤلات
المقررة الخاصة للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، فرانشيسكا ألبانيزي، أضافت بُعدًا جديدًا إلى الجدل الدائر، حين قالت عبر منصة “إكس” إن الاحتمال الأكثر ترجيحًا هو أن القارب تعرض لهجوم بمسيّرة. كما طالبت بتوفير حماية عاجلة لبقية قوارب الأسطول التي كانت في طريقها إلى تونس، وهو ما فُسّر على أنه تبنٍّ جزئي لرواية المنظمين.
هذا الموقف الأممي أثار علامات استفهام إضافية، خصوصًا أن الأمم المتحدة غالبًا ما تتحفظ في تبني أي رواية قبل اكتمال التحقيقات الرسمية. وبالتالي، فإن تدخل ألبانيزي قد يضع تونس أمام ضغوط دولية أكبر، رغم تمسكها بضرورة انتظار الأدلة العلمية والتقارير النهائية.
أسطول الصمود والسياق السياسي الدولي
الحادثة لم تأتِ في فراغ، بل تزامنت مع الاستعدادات لانطلاق أسطول الصمود من ميناء سيدي بوسعيد في مهمة لكسر الحصار المفروض على غزة. ويضم الأسطول ناشطين من أكثر من أربعين دولة، بينهم شخصيات بارزة مثل الناشطة السويدية غريتا ثونبرغ والسياسية البرتغالية ماريانا مورتاغوا.
وقد حظيت هذه المبادرة بتغطية إعلامية واسعة، ما جعل حادثة الحريق تكتسب أهمية مضاعفة. فبينما يرى المنظمون أن ما حدث محاولة متعمدة لتعطيل مهمتهم، تحاول السلطات التونسية إبعاد نفسها عن أي اتهامات أو شبهات، خاصة في ظل حساسية موقعها الجغرافي والسياسي.
انعكاسات الحادث على تونس
تونس تجد نفسها اليوم أمام معادلة دقيقة. فمن ناحية، هي مطالبة بضمان سلامة الناشطين الدوليين الموجودين على أراضيها، خاصة أن العالم يراقب تحركات الأسطول عن كثب. ومن ناحية أخرى، تسعى تونس إلى تجنب الدخول في صراعات دبلوماسية أو توجيه اتهامات دون أدلة.
ويرى محللون أن الموقف الرسمي التونسي، الذي شدد على الطابع الداخلي للحريق، يعكس حرص الحكومة على الحفاظ على صورة الحياد، وعدم الانخراط في أي سيناريو قد يزج بها في توترات إقليمية. وفي الوقت نفسه، فإن التأكيد على استمرار التحقيقات يتيح لتونس مساحة للتحرك إذا ظهرت أدلة جديدة تدعم أو تنفي الروايتين.
جدل إعلامي متصاعد
وسائل الإعلام الدولية تباينت في تغطيتها للحادثة. فبينما ركزت بعض القنوات على رواية المنظمين وتبنّت فرضية الهجوم، فضّلت وكالات أخرى نقل الرواية التونسية بحذر. هذا التباين يعكس حجم الجدل الذي خلفته الحادثة، ويؤكد أن الملف لن يُغلق بسهولة.
كما أن منصات التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة سجال بين من يرى أن ما حدث استهداف متعمد، ومن يعتبره مجرد خلل داخلي ضُخِّم إعلاميًا. وبين هذا وذاك، تبقى تونس في موقع حساس، تحاول أن تثبت مصداقية تحقيقاتها أمام الرأي العام المحلي والدولي.
الخلاصة والتحقيقات المستمرة
بين الرواية التونسية التي تنفي وجود أي هجوم خارجي وتؤكد أن الحريق ناتج عن خلل داخلي، ورواية المنظمين التي تصرّ على أن القارب استُهدف بمسيّرة، تقف الحقيقة في منطقة رمادية بانتظار نتائج التحقيقات الرسمية. لكن المؤكد أن الحادثة ستترك أثرًا سياسيًا وإعلاميًا كبيرًا، سواء على مسار “أسطول الصمود” أو على صورة تونس كبلد مضيف لحدث دولي حساس.
وفي ظل استمرار الجدل وتعدد الروايات، يبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن تونس من إقناع الرأي العام الدولي بروايتها القائمة على المعطيات التقنية والأدلة الميدانية، أم أن الضغوط الخارجية ستفرض سردية أخرى تُبقي الغموض مسيطرًا على الحادثة؟
