في 24 يوليو 2025، بعث الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون برسالة رسمية إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، تتعلق بمسألة الاعتراف بدولة فلسطين، وذلك ردًّا على رسالة سابقة كان عباس قد وجّهها إلى كل من فرنسا والسعودية.
وقد استُقبلت الرسالة الفرنسية على نطاق واسع باعتبارها دعمًا لحل الدولتين وخطوة أولى نحو اعتراف فرنسي مرتقب بالدولة الفلسطينية، غير أن مضمونها أثار جدلاً واسعًا، إذ كشفت قراءتها الدقيقة عن رؤية فرنسية مشروطة، تجعل من نزع سلاح فصائل المقاومة الفلسطينية، وعلى رأسها حركة حماس، شرطًا أساسيًا لأي اعتراف فعلي.


الحرب في غزة: سياق الرسالة
جاءت رسالة ماكرون في سياق بالغ التعقيد، بعد تسعة أشهر من اندلاع الحرب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية عقب عملية 7 أكتوبر 2023، والتي قادتها حركة حماس. الحرب التي أسفرت عن آلاف القتلى والجرحى في صفوف المدنيين الفلسطينيين، ودمار غير مسبوق في قطاع غزة، أثارت ردود فعل متباينة في الأوساط الدولية. وبينما أبدت بعض الدول الأوروبية مواقف متقدمة تجاه إنهاء العدوان الإسرائيلي، حافظت فرنسا على موقف رمادي، يجمع بين التأكيد على “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها”، والدعوة إلى “حل سلمي” لا تحدده معايير القانون الدولي بل المصالح الفرنسية في المنطقة.
فحوى الرسالة: دعم مشروط لا اعتراف كامل
استهل ماكرون رسالته بالإشادة بما وصفه بـ”الالتزامات الشجاعة” التي قدمها الرئيس عباس، خاصة فيما يتعلق بإجراء إصلاحات داخلية وتنظيم انتخابات عامة في عام 2026، واستعادة السلطة الفلسطينية لسيطرتها على قطاع غزة. إلا أن ماكرون لم يكتفِ بالثناء، بل وضع أمام الفلسطينيين قائمة من الشروط التي تُفهم ضمنًا على أنها ضرورية قبل أي اعتراف فرنسي بدولة فلسطين.
من بين هذه الشروط، تأكيد ماكرون على ضرورة “نزع سلاح” غزة، وهو تعبير دبلوماسي يعني عمليًا القضاء على فصائل المقاومة، وفي مقدمتها حماس. كما أشار إلى ضرورة أن تكون الدولة الفلسطينية “منزوعة السلاح”، ما يعني أنها ستكون كيانًا محدود السيادة، خاضعًا لرقابة أمنية دولية أو حتى إسرائيلية ضمنًا.
وفي حين وصف ماكرون ما قامت به حماس في 7 أكتوبر بالهجوم الإرهابي، فإنه أغفل الإشارة إلى السياق الطويل من الحصار المفروض على غزة منذ أكثر من 17 عامًا، وتجاهل الجرائم الإسرائيلية التي ارتُكبت خلال الحرب، بما فيها القصف العشوائي، وتجريف المنازل، وتهجير المدنيين. بهذا المعنى، بدت الرسالة وكأنها تضع الطرفين، المعتدي والمعتدى عليه، في سلة واحدة.
الاعتراف المشروط: مناورة دبلوماسية
من أبرز ما جاء في رسالة ماكرون تأكيده أن فرنسا ستعترف بدولة فلسطين “إذا طُرح الأمر في الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر”، وهي صيغة مشروطة تنزع عن الاعتراف قيمته الرمزية والسياسية. فبدلاً من اتخاذ موقف مستقل يُعيد لفرنسا دورها كدولة مؤثرة في الملف الفلسطيني، جاءت الرسالة محملة بالغموض، ومقيدة بتوقيت وآلية غير واضحة، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول جدية باريس في الاعتراف الكامل.
الاعتراف بدولة فلسطين ليس مسألة تقنية ترتبط بجداول الأمم المتحدة، بل هو فعل سيادي يُعبّر عن موقف سياسي وأخلاقي من الاحتلال والعدالة الدولية. ولكن فرنسا في عهد ماكرون اختارت مسارًا مختلفًا، يجعل من الاعتراف أداة ضغط على الفلسطينيين لتغيير واقعهم الداخلي وفق معايير غير متوازنة، تركز فقط على تفكيك المقاومة وتوسيع صلاحيات السلطة.
قراءة في المصالح الفرنسية
لفهم أبعاد رسالة ماكرون، لا بد من التوقف عند الخلفيات السياسية والاقتصادية التي تحكم السياسة الفرنسية في المنطقة. ففرنسا، التي تواجه أزمات داخلية وتراجعًا في نفوذها في إفريقيا والشرق الأوسط، تسعى اليوم إلى تعزيز حضورها من خلال شراكات استراتيجية، أبرزها مع المملكة العربية السعودية. هذا التوجه يفسر انخراط باريس في المسار الجديد الذي ترعاه الرياض، والذي يقوم على تطبيع تدريجي للعلاقات العربية مع إسرائيل مقابل وعود بإنشاء كيان فلسطيني منزوع السيادة.
ومن خلال خطاب ماكرون، يمكن القول إن فرنسا اختارت الوقوف إلى جانب هذا المحور، مستبدلة لغة القانون الدولي بلغة المصالح والتحالفات. فهي لا تتحدث عن إنهاء الاحتلال، بل عن “حل الدولتين” بصيغته الفضفاضة. ولا تذكر الجرائم الإسرائيلية، بل تُركز على دور السلطة الفلسطينية في ضبط الأمن و”مكافحة الإرهاب”.
دولة مشروطة أم تصفية مقنّعة؟
رسالة ماكرون لم تكن اعترافًا حقيقيًا بدولة فلسطين، بل كانت أقرب إلى عرض سياسي مشروط، يحمل بين سطوره نوايا واضحة لتقويض المقاومة الفلسطينية وتجريد غزة من قوتها، مقابل وعود هشة بدعم سياسي لاحق. هذا النوع من الخطاب يعيد إلى الأذهان مشاريع التصفية السابقة، التي لم تُفضِ إلا إلى مزيد من التراجع في الحقوق الفلسطينية.
إن الاعتراف بدولة فلسطين لا يجب أن يكون مرهونًا بنزع السلاح ولا برضا إسرائيل، بل هو حق أصيل لشعب خاض نضالًا طويلًا من أجل حريته. وما لم تتغير هذه النظرة الغربية القائمة على فرض الشروط، فإن أي حديث عن حل سياسي سيبقى بلا مضمون حقيقي
ترمب يقلل من أهمية رسالة ماكرون: “لا ثقل لها ولا وزن لكلماته”
وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليقًا على رسالة ماكرون إلى الرئيس الفلسطيني محمود عباس: “ما أعلنه ماكرون بشأن الاعتراف بدولة فلسطينية لا ثقل له، وكلماته لا وزن لها”. وأكد ترمب أن التصريحات الفرنسية تفتقر إلى التأثير العملي على أرض الواقع، مشيرًا إلى أن أي اعتراف حقيقي يجب أن يصدر عن أطراف فاعلة ومؤثرة في عملية السلام، وليس من خلال رسائل رمزية أو مواقف مشروطة. وأضاف أن الأمن الإسرائيلي يجب أن يبقى أولوية، وأن محاولات إرضاء الجانب الفلسطيني عبر وعود غير قابلة للتنفيذ لن تؤدي إلى أي حل دائم.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.