يُعد شهر رمضان المبارك مناسبة روحانية واجتماعية مميزة لدى الجالية الفلسطينية المقيمة في دولة قطر، حيث تمتزج عادات التراث الفلسطيني مع الأجواء القطرية الأصيلة، لتصنع تجربة رمضانية فريدة تحمل عبق الوطن وروح الاغتراب للوطن الثاني قطر، وعلى الرغم من البُعد عن فلسطين، إلا أن أبناء الجالية الفلسطينية يحافظون على موروثهم الثقافي والاجتماعي خلال الشهر الفضيل، خاصة في مدينة العاصمة الدوحة.
رمضان الجالية الفلسطينية في قطر
مع كل اقتراب لشهر الخير والبركة، تبدأ الأسر الفلسطينية في تجهيز منازلها لاستقبال شهر رمضان عبر شراء بعض الزينة الرمضانية البسيطة وتعليق الفوانيس ذات الطابع الشرقي والفلسطيني الخاص، حيث يحرص الكثير من الفلسطينيين المقيمين في قطر على تزيين المنازل بلمسات تراثية تعكس ارتباطهم بالهوية الفلسطينية، مع المحافظة على الطابع الاجتماعي الهادئ الذي يميز الحياة داخل المجتمع القطري.
حيث يحرص الفلسطينيون على تعزيز قيم الترابط الأسري والاجتماعي خلال الشهر الفضيل، حيث تتزين الموائد الرمضانية بأطباق التراث الفلسطيني مثل(المسخّن والقدرة) وغيرها من الأكلات والمشروبات الساخنة والباردة، في تعبير عن الارتباط بالهوية الثقافية لـ فلسطين مهما كانت المسافات.
كما يشارك أبناء الجالية في بعض مظاهر الاحتفال الرمضاني المنتشرة في المجتمع القطري داخل الدوحة وفي الكثير من المدن مثل أجواء مدفع الإفطار واحتفالية “القرنقعوة” والفعاليات الشعبية المرتبطة بالشهر الكريم، مع استمرار اللقاءات العائلية التي تعكس روح التضامن الاجتماعي، إضافة إلى الاهتمام بالقضايا الإنسانية ودعم الأوضاع في غزة.

الأطباق الفلسطينية التقليدية على مائدة الإفطار
تتميز المائدة الرمضانية الفلسطينية في قطر بتنوعها وغناها بالأطباق التراثية التقليدية التي تعكس المطبخ الفلسطيني العريق بأكلاته ونفحاته الجميلة، ومن أبرز الأطباق التي يحرص الفلسطينيون المقيمون على إعدادها خلال رمضان:
- المقلوبة: وهي من أشهر الأطباق الفلسطينية التي يتوارثها الأجيال، وتتكون من الأرز والخضروات واللحم أو الدجاج، حيث تُقلب الإناء عند التقديم لتظهر بشكلها التقليدي، وهي من الأكلات التي أحبها حقيقة.
- المسخّن: طبق تراثي فلسطيني مشهور يتكون من خبز الطابون مع الدجاج والبصل وزيت الزيتون والسماق، وهي من ألذ الوجبات والأكلان الفلسطينية التي ما زال الفلسطيني يحافظ عليها ويحبها على الرغم من الغربة.
- الملفوف الفلسطيني: أوراق الملفوف المحشوة بالأرز واللحم والمتبلة بالتوابل الشرقية.
- الفتوش والسلطة الفلسطينية: حيث تشكل السلطات الطازجة جزءًا أساسيًا من وجبة الإفطار، خاصة مع استخدام زيت الزيتون الفلسطيني ذات الطابع الأصيل واللذيذ.
- القطايف: وتُعد من الحلويات الرمضانية المحببة، حيث تُحشى بالمكسرات أو القشطة أو التمر وتُقدم بعد الإفطار كحوى لذيذة.
- الكُنافة: تُعد الكنافة، خصوصًا النابلسية، من أبرز حلويات رمضان لدى الجالية الفلسطينية في دولة قطر، إذ ترتبط بتراث نابلس وتمنح الأجواء الرمضانية طعمًا يحمل عبق فلسطين، فهي الحلوى اللذيذة المصنوعة من عجينة الشعرية المحشوة بالجبن والقشطة والتي تُغمر لاحقاً بالقطر.
وتشهد الأسواق في دولة قطر حركة نشطة قبيل رمضان، حيث تتجه الأسر الفلسطينية لشراء احتياجات المائدة الرمضانية والمواد الغذائية التقليدية، ويُفضّل الكثيرون اختيار المنتجات التي تساعد في إعداد الأطباق الفلسطينية التراثية التي تشتهر بها المطبخ الفلسطيني خلال الشهر الكريم.
الأطفال وفرحتهم برمضان
يشكّل الأطفال عنصرًا أساسيًا في أجواء رمضان داخل الجالية الفلسطينية في دولة قطر، حيث تحرص العائلات على إشراكهم في الاستعدادات للشهر الفضيل من خلال تزيين المنازل ومشاركة الأنشطة الرمضانية البسيطة، حيث يقومون بوضع الفوانيس على البيوت مع أسلاك وأوراق الزينة الملونة والزاهية بأنفسهم، ويشاركون الكبار في نفس الوقت بتعليقها ما بين المنازل.
كما ويتبادل الصغار الحلوى ويعيشون لحظات من الفرح تعزز ارتباطهم بعادات وتقاليد فلسطين داخل وطنهم الثاني قطر، في أجواء تعكس قوة الترابط الأسري وروح المحبة خلال الشهر الكريم.

تعليم الأبناء العادات الرمضانية
كما تحرص العائلات على إشراك الأبناء في تفاصيل الشهر الفضيل، مثل مساعدتهم في تحضير بعض الأطباق أو تعريفهم بالعادات التي كان الأجداد يمارسونها في القرى والمدن الفلسطينية، حيث يتم النظر إلى رمضان باعتباره فرصة تربوية لتعزيز الهوية الثقافية لدى الجيل الجديد المقيم في دولة قطر.
وهذا الأمر يسهم في بناء جيل فلسطيني محافظ على جذوره الثقافية رغم نشأته داخل المجتمع القطري، حيث يظل شهر رمضان مناسبة لتعزيز الانتماء للوطن والاعتزاز بالتراث الفلسطيني عبر الأجيال.
السهرات العائلية بعد التراويح
يُخصص كثير من العائلات الفلسطينية وقتا للسهرات الرمضانية الجميلة بعد صلاة التراويح مباشرة، حيث تجتمع الأسرة حول الشاي أو القهوة العربية مع الحلويات الشعبية (مثل الكنافة والقطايف)، وتتخلل هذه الجلسات أحاديث عن ذكريات رمضان البلد الأم، إلى جانب متابعة البرامج الدينية أو الثقافية.
حيث تعد اللمة العائلية أمر أساسي ومحوري في رمضان لدى أبناء الجالية الفلسطينية في دولة قطر، وهي من العادات والتقاليد المورثة جيلاً عبد جيل، حيث تزيد الدعوات إلى الإفطارات الجماعية وتبادل الزيارات بين الأقارب والأصدقاء طوال الشهر الفضيل، وهو أمر يشعرهم بروح الشهر الفضيل كما لو أنهم في وطنهم الأم.
وتمنح هذه الممارسات الاجتماعية شعورًا بالانتماء وتعزز الروابط بين أبناء الجالية الفلسطينية والمواطنين في قطر، في حين تبقى الأحاديث عن ذكريات رمضان في فلسطين حاضرة في المجالس، لتجسد ارتباطهم الدائم بالوطن رغم الإقامة في الدوحة.
تبادل أطباق “صحن الجيران” بروح فلسطينية
من العادات الاجتماعية التي يحرص عليها الفلسطيني المقيم في دولة قطر خلال رمضان عادة تبادل أطباق الإفطار مع الجيران والأصدقاء، فيما يُعرف شعبيا وفلسطينياً بـ“صحن الجيران”، حيث تُرسل أطباق مثل المقلوبة أو الشوربات التقليدية قبيل أذان المغرب، في مشهد يعكس قيم الكرم والتكافل المتجذرة في المجتمع الفلسطيني، ويعزز العلاقات داخل الأحياء السكنية في الدوحة.
أبرز 10 عادات وتقاليد قطرية في شهر رمضان 2026
العمل الخيري وروح التكافل
يشتهر شهر رمضان بزيادة الأنشطة الخيرية بين أفراد الجالية الفلسطينية، حيث يشارك الكثيرون في دعم المبادرات الإنسانية وتقديم المساعدات للصائمين، حيث يساهم المبادرون وأصحاب الخير في تقديم وجبات الإفطار للصائمين (موائد الرحمن) أو طرود غذائية للمحتاجين.
ففي قطر، تحرص الجالية الفلسطينية على تنظيم مبادرات إفطار بسيطة طوال الشهر المُبارك، وذلك لتعكس قيم التضامن والتعاون ما بين أفراد المجتمع الواحد على اختلاف حنسياتهم، وهو أمر يتميز بها المجتمع الفلسطيني، انسجامًا مع روح الشهر الفضيل في المجتمع القطري المحافظ.

زكاة الفطر والصدقات
كما يولي الفلسطينيون المقيمون في قطر اهتماما خاصا بإخراج زكاة الفطر والصدقات خلال أيام الشهر الكريم، سواء عبر الجهات الرسمية أو من خلال مبادرات فردية داخل نطاقهم الاجتماعي.
ويُعد هذا السلوك امتداد طبيعي لقيم التضامن المجتمعي التي تميز المجتمع في فلسطين، ويعكس الحرص على ترسيخ معاني التكافل ما بين أبناء الجالية الواحدة في قطر وغيرها من الأقطار.
التواصل والتبادل الثقافي بين الجاليات
كما يُسهم شهر رمضان في تعزيز التفاعل الثقافي بين الجالية الفلسطينية في دولة قطر وبقية الجاليات المقيمة، حيث تتعدد فرص اللقاءات الاجتماعية خلال الإفطارات الجماعية والفعاليات الرمضانية.
ويحرص أبناء الجالية الفلسطينية على تبادل الأطباق التراثية والتعرف على عادات الشعوب والجاليات الأخرى، مما يعكس روح التسامح والتعايش بين الثقافات المختلفة داخل المجتمع الواحد، كما تساهم هذه اللقاءات في إثراء التجربة الرمضانية وإضفاء طابع إنساني واجتماعي مميز على الشهر الفضيل.
أبرز 5 مساجد في قطر لصلاة التراويح للنساء في رمضان 2026
أبرز ملامح رمضان للجالية الفلسطينية في قطر
وقد رصدنا نحن في موقع “دوحة 24” أبرز الملامح الرمضانية للجالية الفلسطينية في دولة قطر، وهي كالتالي:
- التضامن والدعم: تتجلى روح الإخاء عبر حملات مؤسسية مثل “رمضان في غزة” (التعليم فوق الجميع)، لتعزيز دعم صمود الأهل وتعميق التكافل الاجتماعي.
- الأجواء الروحانية: تزدان البلاد بحلة إيمانية وأنيقة، يحرص خلالها أفراد الجالية على صلوات التراويح والقيام، والمشاركة في “الغبقات” الرمضانية.
- العادات والتقاليد: يمتزج المطبخ الفلسطيني الأصيل (كالقطايف والمشروبات التراثية) بالعادات القطرية، في تناغم ثقافي يجمع بين الهوية والاندماج.
- الزي الشعبي: يحرص الكثيرون على ارتداء “الثوب المطرز” والوشاح الفلسطيني في الفعاليات العامة والغبقات، كرمز للتمسك بالهوية الوطنية وسط الأجواء الاحتفالية.
- الأنشطة الاجتماعية: تمثل موائد الإفطار وتبادل الزيارات العائلية ركيزة أساسية لتعزيز الروابط الاجتماعية وتمتين أواصر المحبة بين أبناء الجالية.
- ليالي القدس: تنظيم أمسيات ثقافية وشعرية تركز على تاريخ القدس والمقدسات، لربط الأطفال والشباب بجذورهم وقضيتهم الأم خلال ليالي الشهر الفضيل.
- المجالس والدواوين: حيث تمثل “المجالس” القطرية والفلسطينية ملتقىً ليلياً في رمضان في كل عام وخاصة في رمضان 2026 الجاري، وذلك لتبادل الأحاديث السياسية والثقافية، مما يوثق الروابط بين الأجيال المختلفة ومع مختلف الجنسيات.
- المبادرات الشبابية: ينشط الشباب الفلسطيني في العمل التطوعي، سواء في توزيع وجبات الإفطار عند الإشارات المرورية أو تنظيم الفعاليات الخيرية.
كم عدد الفلسطينيين في دولة قطر؟
وعند استعراض عادات الجالية الفلسطينية في قطر، تجدر الإشارة إلى حجم حضورها المؤثر؛ حيث يُقدر عدد الفلسطينيين المقيمين في الدولة بنحو 248.000 نسمة على حسب آخر الإحصائيات الرسمية لعام 2026 الجاري، وتشكل هذه الجالية ركيزة أساسية ضمن النسيج المجتمعي، بفضل مساهماتها الفاعلة في شتى القطاعات المهنية والتعليمية
وتتميّز الجالية الفلسطينية في قطر (كما أسلفنا) بالحفاظ على عاداتها وتقاليدها الاجتماعية، خاصة خلال المناسبات الدينية كشهر رمضان الكريم، إذ تحرص العائلات على إحياء الأطباق التراثية مثل المقلوبة والمسخّن، وتنظيم الزيارات العائلية وتبادل “صحن الجيران”، إلى جانب الاهتمام بزكاة الفطر والأنشطة الخيرية
وفي الختام، يظل الشهر الفضيل مناسبة دينية بروح وطنية تجمع بين عبق الوطن وأجواء الإقامة في الخارج والغربة، حيث تعكس الجالية الفلسطينية نموذجًا للتعايش الثقافي والتمسك بالهوية رغم البُعد الجغرافي.






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.