عامان من الدمار والمجاعة.. غزة تحصي جراحها في الحرب الأطول بتاريخها

عامان على “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، فاليوم يدخل قطاع غزة عامه الثالث من الحرب المُدمرة والكارثة الإنسانية الأكبر في تاريخ البشرية الحديث، وهي الحرب التي قتلت آلاف من الشهداء في غزة وضربت كل مقومات الحياة في القطاع المدمر والمنهك والمُجوع والنازح قسراً.

فهي الحرب التي ادعى الاحتلال الإسرائيلي أنها تُهاجم بها حركة “حماس” التي بدأت بالهجوم البري على الحدود مع قطاع غزة نحو المستوطنات المُحيطة، فهي حرب استهدفت الحجر والبشر وكل مقومات الحياة الإنسانية، وأسكنت 2 مليون إنسان غزي ويلات النزوح والجوع والدمار اليومي.

شهداء ومفقودون بالأرقام

بعد عامان من الحرب المُدمرة، الكثير من الإحصائيات والتقارير تتحدث عن عدد الشهداء والمفقودون في قطاع غزة، فالحرب ما زالت مستمرة اللحظة، فالحصيلة مٌروعة فنحن نتكلم عن أكثر من 67.180 شهيدًا و169.700 جريحًا ومُصاباً، وفق آخر إحصاءات وزارة الصحة حتى أكتوبر 2025 الجاري، عدا الآلاف المفقودين تحت الأنقاض الذين يُفترض استشهادهم.

في حين بلغ عدد المفقودين ما بين 8,000 و14.000 شخص، بينما تم اعتقال أكثر من 9.350 فلسطيني، بينهم كوادر طبية وأكاديمية، وفي المقابل، استشهد 1.500 من الكوادر الطبية و120 من عناصر الدفاع المدني أثناء أداء مهامهم الإنسانية، وغيرهم من الكوادر البشرية العاملة في المجال الصحي المُدمر والمنهك والمتوقف بنسبة تصل إلى 95%.

النساء والأطفال يُبادون

لم يكن المدنيون مجرد ضحايا جانبيين للحرب، بل هدفًا رئيسيًا لها ومباشراً لأي طفل أو إمرأة أياً كان جنسه أو لونه أو عرقه، فالأطفال شكلوا النسبة الأعلى بين الشهداء في غزة، حيث استشهد أكثر من 19.000 طفل، وصف مسؤولو الأمم المتحدة غزة بأنها عبارة عن “مقبرة الأطفال”، عندما خرجوا عن صمتهم.

والنساء لم تخرج عن مشهد القتل والدمار، فقد استشهدت 12.350 امرأة، بينهن 6.000 أم تركن وراءهن ما يزيد على 19.000 طفل يتيم، وترك نسبة كبيرة جداً من الأرامل التي فقدن أزواجهن وواجهن الحياة بعدد من الأطفال لم يتمكنون من إطعامهم بسبب قلة الحاجة وقلة المال والموارد الغذائية والصحية، كما وتواجه الحوامل مخاطر الموت بسبب انهيار الخدمات الصحية وسوء التغذية.

في سياق آخر، تُشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 43.000 فلسطيني يعانون من إعاقات دائمة، بينهم آلاف الأطفال، بينما خضع 6.000 شخص لعمليات بتر أطراف، طالت الكبار والصغار والنساء على حد سواء.

انهيار النظام الصحي والتعليم

بعد عامان من حرب ال 7 من أكتوبر، تم استهداف متعمد وممنهج طال المستشفيات والمدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية والصحية، فقد تم تم تدمير 38 مستشفى و84% من المرافق الصحية، مما عمل على شل قدرة النظام الطبي على العمل.

كما تعرض قطاع التعليم لضربة قاصمة بهدم المدارس التي يبيت فيها النازحون أصلاً، إذ دُمر 138 مرفقًا تعليميًا بالكامل وتضرر أكثر من 357 آخرين، مما جعل غالبية أطفال غزة محرومين من التعليم، وتم تصنيف ذلك كأكبر انتهاك لحق التعليم في التاريخ الحديث، فالحرب طالت كل شىء والهدف هو التدمير وطمس ما في غزة من جمال وحياة.

نزوح قسري شامل

آخر عمليات النزوح تمت منذ شهور قليلة، مع بدأ عملية “عربات جدعون 2” والتي طالبت فيه إسرائيل من أهل غزة (العاصمة) من الخروج من قلب المدينة تمهيداً لتدميرها وتدمير الأبراج فيها، فقد أجبرت الحرب سكان القطاع على النزوح الجماعي المتكرر، حتى لم يبقَ مكان آمن يمكن اللجوء إليه.

هناك أكثر من 2 مليون فلسطيني في غزة نزحوا داخليًا، في واحدة من أكبر موجات التهجير في العصر الحديث، مع تسجيل بعض العائلات نزوحها ست مرات متتالية، وهي العائلات التي لا تعرف أين تذهب وأين تبيت من حر الصيف وصقيع الشتاء القارس.

فقد تحولت غزة إلى مساحة شاسعة من الخيام والملاجئ المؤقتة، حيث يعاني النازحون من غياب الماء النظيف والمأوى، وتفشي الأمراض والأوبئة نتيجة الاكتظاظ وانعدام الخدمات الصحية.

اقرأ المزيد: قطر تُنشئ نقطة إسعافات أولية لـ مستشفى حمد في غزة

الأثر الاقتصادي والتجويع كسلاح حرب

اعتمدت إسرائيل في حربها التدميرية منذ السابع من أكتوبر 2023 على التجويع الممنهج والقتل والتدمير اليومي للمنازل الآمنة، فقد مُنع دخول الغذاء والوقود والدواء، ما أدى إلى مجاعة حقيقية في شمال القطاع ووسطها وجنوبها، وهذا ما عايشته أنا كاتب المقالة بنفسي، فقد شعرت بالجوع لأول مرة مع نقص حاد من الطحين والمواد التموينية الأساسية.

في حين أكدت تقارير الأمم المتحدة أن الغالبية العظمى من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن أكثر من نصفهم على حافة المجاعة، خاصة الأطفال الذين يُعانون من سوء التغذية الحاد، في ظل نقص الحليب وأكل الأطفال، جراء منع إسرائيل لإدخاله عبر المعابر مثل “كرم أبو سالم” و”إيريز” وغيرها من المعابر المغلقة، والتي هي شريان الحياة لأكثر من 2 مليون غزاوي.

الصحفيون والإغاثيون في مرمى النار

ومع مرور عامين على حرب غزة، ودخول سكان غزة العام الثالث، وصفت لجنة حماية الصحفيين الحرب على غزة بأنها “الأكثر دموية في تاريخ الصحافة”، فقد استهدفت الصحفيون بشكل مباشر كان آخرهم “أنس الشريف” و”محمد قريقع” الذي استشهدوا هو ورفقة من الصحفيون داخل مستشفى الشفاء في غزة.

فقد استُشهد أكثر من 238 صحفياً وعاملاً إعلامياً، بينهم مراسلو ومصورو قناة الجزيرة، كما استشهد 544 من العاملين في المجال الإنساني، بينهم 374 من موظفي الأمم المتحدة وأكثر من 200 من موظفي الأونروا العاملة في غزة، في استهداف مباشر لعمليات الإغاثة الإنسانية الدولية.

أسماء صحفيين آخرين استشهدوا في حرب غزة:

الاسم الكاملالوظيفةتاريخ الاستشهادالمكان
أنس الشريفمراسل قناة الجزيرة10 أغسطس 2025مدينة غزة
محمد قريقعمراسل قناة الجزيرة10 أغسطس 2025مدينة غزة
إبراهيم ظاهرمصور صحفي في قناة الجزيرة10 أغسطس 2025مدينة غزة
محمد نوفلمصور صحفي في قناة الجزيرة10 أغسطس 2025مدينة غزة
مؤمن عليوةمصور صحفي في قناة الجزيرة10 أغسطس 2025مدينة غزة
عبد الله الخالديصحفي مع منصة “ساحات”10 أغسطس 2025مدينة غزة
إياد مطرصحفي في قناة الأقصى2 نوفمبر 2023المحافظة الوسطى بغزة
محمد أبو حطبمراسل تلفزيون فلسطين2 نوفمبر 2023محافظة خانيونس الجنوبية
ولاء الجعبريصحفية حرة23 يوليو 2025غزة
تامر الزعانينصحفي حر21 يوليو 2025خانيونس
حسام العدلونيصحفي حر13 يوليو 2025خانيونس
فادي خليفةصحفي حر13 يوليو 2025حي الزيتون

قد يهمك أن تقرأ: وقفة تضامنية في الجزائر دعمًا لصحفيي غزة

دمار غير مسبوق للبنية التحتية

بكل صراحة، لم يشهد العالم في العصر الحديث دمارًا شاملاً كالذي حل بقطاع غزة الذي ما زال يُعاني من حرب شرسة أكلت الأخضر واليابس، وعليك أن تعلم أن أكثر من 90% من البنية التحتية دُمرت كليًا أو جزئيًا، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة وتقارير أخرى صادرة عن مؤسسات دولية مُختلفة.

ولو تكلمنا عن البيوت والأبراج السكنية في قطاع غزة، فهنا نتكلم عن أن هناك أكثر من 290 ألف أسرة فقدت منازلها، وتحولت الأحياء السكنية إلى أكوام من الركام بلغت كميتها ما بين 42 و48 مليون طن، وهناك بيوت ما زالت تُدمر وأبراج تنسف من أساساتها، ومثالها الأبراج التي دُمرت في طوفان النزوج الأخير من قلب مدينة غزة والتي دمرت فيها أبراج مثل “براج المشهرواي” القريب من ميناء غزة و”برج الغفري” القريب من مستشفى الشفاء.

هذا إضافة إلى تضرر شبكات المياه والكهرباء (التي لم نراها منذ عامان كاملان) والصرف الصحي بالكامل، إذ تم تدمير أكثر من 5 آلاف كيلومتر من خطوط الكهرباء و730 بئر مياه، ما أدى لانهيار شبه كامل للخدمات الحيوية الأساسية لأي بشر يعيش في القرن الواحد والعشرين والذي يُدعي الديمقراطية والإنسانية.

تدمير الحياة الثقافية والدينية في غزة

لم يسلم التراث الثقافي من التدمير، فقد دُمر 832 مسجداً وعدد من الكنائس والمواقع الأثرية القديمة أبرزها “الجامع العُمري”، فقد تحولت الأماكن التاريخية التي كانت رمزاً للهوية الفلسطينية إلى أنقاض، في محاولة لطمس الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.

القوة التدميرية والتداعيات البيئية

مع استمرار الحرب على غزة، وفي ظل المفاوضات في شرم الشيخ بين حماس وإسرائيل، لابد من الحديث عن القوة التدميرية المستخدمة ضد المدنيين في قطاع غزة المُنهك والمُدمر، حيث تُقدّر كمية المتفجرات التي أُلقيت على غزة بما بين 86.000 و200.000 طن، أي ما يعادل 233 كغم من المتفجرات على كل متر مربع من مساحة القطاع.

وقد أدى ذلك إلى تلوث بيئي هائل شمل التربة والمياه الجوفية بالمعادن الثقيلة والمواد السامة، وانتشار الذخائر غير المنفجرة في كل مكان، وتحذر المنظمات الدولية من أن هذه الملوثات ستجعل إعادة إعمار غزة ومعيشة سكانها آمنة أمرًا شبه مستحيل لعقود قادمة.

جرائم حرب ومسؤولية دولية

تؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية حول العالم أن أكثر من 65% من الشهداء هم من النساء والأطفال، وأن النمط المتكرر من القصف العشوائي والمتعمد للمدنيين يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان، وهذا ما شهدته بنفسي حيث تم تدمير كثير من البيوت على رؤوس ساكنيها لمُجرد وجود مطلوب من حماس واحد في هذا البيت أو المبنى.

هذا الأمر قد دفع ذلك المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، من بينهم بنيامين نتنياهو، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.

اقرأ المزيد: أنصار مولودية الجزائر يكسرون حصار غزة..توزيع 200 ألف وجبة

مفاوضات شرم الشيخ بين حماس وإسرائيل

مع حلول العام الثالث من حرب غزة، تتجه الأنظار اليوم إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث تُعقد جولات جديدة من المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس بوساطة مصرية ودولية مكثفة، وذلك بعد موافقة حماس على إطلاق الأسرى والرهائن الإسرائيلين في غضون 72 ساعة بعد موافقتها على “بنود خطة ترامب” الأخيرة 2025، والتي على إثرها طالب الرئيس الأمريكي “ترامب” من إسرائيل بوقف قصف غزة فوراً.

تهدف هذه المباحثات إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء معاناة المدنيين المستمرة منذ عامين في قطاع غزة، إلى جانب بحث تبادل الأسرى وفتح المعابر الإنسانية لإدخال المساعدات العاجلة، إضافة إلى التفاوض على أماكن تمركز جيش الإحتلال في غزة، ومعرفة من سوف يدير غزة في “اليوم التالي”.

اقرأ المزيد: وقف إطلاق النار في غزة .. ترامب يطالب إسرائيل بوقف القصف بعد موافقة حماس

الرابط المختصر: doha24.net/s/1dz

اشترك في قائمتنا البريدية واحصل على آخر المنشورات لحظة ورودها

PNFPB Install PWA using share icon

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

إعدادات التنبيهات

notification icon
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
notification icon
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
notification icon
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
notification icon
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24