أثارت الضربات الجوية الإسرائيلية الأخيرة التي استهدفت مواقع نووية في إيران مخاوف دولية من سيناريو كارثي يُذكّر بحادثتَي تشيرنوبل وفوكوشيما. ورغم أن هذه الهجمات أحدثت أضرارًا في مجمع تخصيب نطنز النووي، وأدّت إلى تدمير بعض المنشآت فوق الأرض دون حدوث أي تسرّب إشعاعي، فقد أكدت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن مفاعل بوشهر النووي ظلّ بمنأى عن القصف الإسرائيلي.
امتناع إسرائيل عن استهداف محطة بوشهر
امتناع إسرائيل عن استهداف محطة بوشهر للطاقة النووية – وهي المفاعل النووي الوحيد العامل في إيران والمخصص لإنتاج الكهرباء – لم يأتِ صدفة، بل وراءه اعتبارات تقنية واستراتيجية معقدة.

موقع استراتيجي حساس على ساحل الخليج العربي
يقع مفاعل بوشهر النووي في مدينة بوشهر الساحلية جنوب غرب إيران، على ساحل الخليج العربي مباشرةً. يبعد الموقع نحو 17 كيلومترًا فقط عن مركز المدينة، وأقل من 280 كيلومترًا عن السواحل الشرقية لدول الخليج العربية، مثل قطر والكويت والبحرين والسعودية والإمارات.
هذا الموقع الجغرافي يجعل دول الخليج تراقب التطورات المتعلقة بمفاعل بوشهر عن كثب، وتطالب باستمرار باتخاذ أقصى درجات الحيطة والحذر وإجراءات الأمان لمنع حدوث أي تسريب إشعاعي يهدد سلامة البيئة البحرية والبرية وصحة السكان في المنطقة.
مفاعل بوشهر النووي.. هيكلٌ حصين يقاوم القنابل
صُمّم مفاعل بوشهر وفق أحدث معايير الأمان النووي ليكون حصيناً في وجه الحوادث أو الهجمات. المفاعل مُغلق داخل قبة احتواء ضخمة من الخرسانة السميكة المبطنة بالصلب، وتتألف من طبقات متعددة تمنحه قدرة على تحمّل الانفجارات أو الاصطدامات العنيفة من الداخل أو الخارج. هذه التحصينات الهندسية تجعل من الصعب على القنابل التقليدية صغيرة الحجم اختراق قلب المفاعل أو إلحاق ضرر بالغ بمنشآته الحيوية.
وعلى خلاف مفاعلات تم تدميرها سابقاً قبل أن تدخل طور التشغيل، مثل مفاعل أوزيراك العراقي عام 1981 ومفاعل الكبر السوري عام 2007، فإن مفاعل بوشهر اكتمل بناؤه وتزويده بحماية خرسانية كاملة ويحتوي بالفعل على تفاعل انشطاري نشط.
ويشير خبراء عسكريون إلى أن ضرب منشأة نووية في حالة تشغيل يشكّل مخاطرة استثنائية؛ إذ قد يؤدي إلى تفاعلات انشطارية غير مسيطر عليها، وفي أسوأ الظروف ربما حتى انفجار نووي محدود.
هذه العوامل التقنية تجعل خيار قصف بوشهر مكلفاً وغير مضمون النتائج بالنسبة لإسرائيل، التي تدرك أن أي خطأ في استهداف المفاعل قد يولّد تداعيات لا يمكن احتواؤها.
تركيز إسرائيلي على نطنز وفوردو بدلًا من بوشهر
تعطي إسرائيل أولوية قصوى لاستهداف منشآت التخصيب الإيرانية بوصفها قلب البرنامج النووي الإيراني الساعي لإنتاج مواد قابلة للاستخدام في الأسلحة. يُعدّ مجمع نطنز النووي المركز الأساسي لتخصيب اليورانيوم في إيران، إذ يعمل فيه آلاف أجهزة الطرد المركزي على تدوير غاز سادس فلوريد اليورانيوم بهدف رفع نسبة نظير يورانيوم-235 الانشطاري.
تعرضت نطنز على مدار السنوات لهجمات متعددة شملت عمليات سيبرانية وتخريبية سرية، وصولاً إلى ضربات جوية أحدثت مؤخرًا أضرارًا كبيرة في منشآتها فوق الأرض دون أن تسبب أي تسرّب إشعاعي يُذكر، نظرًا لعدم احتواء الموقع على مفاعل نووي فعّال بل على معدات تخصيب فقط.
أما منشأة فوردو الواقعة داخل حصن تحت جبل قرب مدينة قم، فهي منشأة تخصيب أخرى بالغة الأهمية ضمن برنامج إيران النووي. تتم في فوردو عمليات رفع نسبة تخصيب اليورانيوم إلى مستوى يقترب من درجة صناعة الأسلحة النووية (تصل إلى 60% بحسب تقارير الوكالة الدولية).
المصالح الأمريكية في الخليج.. حاجز إضافي أمام قصف مفاعل بوشهر
تُعد منطقة الخليج العربي من أكثر المناطق الحيوية أهميةً للولايات المتحدة الأمريكية، حيث تحتفظ واشنطن بعلاقات استراتيجية قوية مع دول مجلس التعاون الخليجي، تشمل التعاون الأمني والاقتصادي والعسكري. كما تملك الولايات المتحدة قواعد عسكرية كبيرة ومنشآت استراتيجية حيوية في قطر والكويت والبحرين والإمارات والسعودية، تجعل أي تهديد أمني أو إشعاعي في المنطقة خطرًا مباشرًا على المصالح الأمريكية.
وعليه، فإن العلاقة الوثيقة بين الولايات المتحدة ودول الخليج تُشكل عاملًا إضافيًا يمنع إسرائيل من اتخاذ قرار بضرب مفاعل بوشهر النووي؛ إذ إن إسرائيل تُدرك جيدًا أن إلحاق ضرر بيئي أو إشعاعي بدول الخليج من شأنه أن يُهدد المصالح الأمريكية بشكل خطير، ويضر بالعلاقات القوية التي تربطها مع هذه الدول، الأمر الذي لن تُقدم إسرائيل على المجازفة به في ظل اعتمادها الكبير على الدعم الاستراتيجي الأمريكي.

بوتين يطمئن: منشآت إيران النووية تحت الأرض لم تتعرض لأي ضرر
أكد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن المنشآت النووية الإيرانية تحت الأرض بقيت آمنة ولم تصب بأي ضرر خلال الهجوم الإسرائيلي الأخير، مشيرًا إلى أن بلاده تابعت الوضع من مصادر متعددة، ولم ترد أي معلومات تفيد بوقوع أضرار. واعتبر بوتين أن تلك المواقع الحيوية محصنة جيدًا، وأن كل المعطيات الميدانية تؤكد سلامتها حتى اللحظة.
اتفاق روسي-إسرائيلي لحماية العمال الروس في محطة بوشهر
وفي السياق ذاته، أعلن بوتين عن توصل موسكو إلى تفاهم مع تل أبيب لضمان سلامة أكثر من 200 خبير روسي يعملون في بناء وحدتين جديدتين بمحطة “بوشهر” النووية جنوب إيران. وأوضح أن العمل مستمر في الموقع بشكل طبيعي، ضمن إطار تعاقدي بين روسيا وإيران، مع تأكيدات إسرائيلية بعدم استهداف المنطقة التي تضم المشروع النووي المشترك.

منشأة فوردو
ميزة فوردو أنها مبنية في عمق كبير تحت سطح الأرض، مما يجعل تدميرها مهمة بالغة الصعوبة، وقد أفادت تقديرات خبراء في واشنطن بأن إسرائيل لا تمتلك حالياً قنابل ثقيلة خارقة للتحصينات بقدرة كافية لتدمير منشأة جبلية محصنة مثل فوردو دون دعم عسكري أمريكي، وقد أكدت تحليلات صور الأقمار الصناعية عقب الهجمات الأخيرة عدم ظهور أي ضرر واضح في الموقع.
في المقابل، يظل مفاعل بوشهر هدفًا ثانويًا من المنظور الإسرائيلي، كونه محطة طاقة مدنية تخضع لمراقبة دولية ويمكن نظريًا أن تُنتج البلوتونيوم المستخدم في الأسلحة فقط إذا توفرت منشآت لإعادة معالجة الوقود المستهلك وهو أمر غير قائم حاليًا. لذلك تركز إسرائيل جهودها على إضعاف قدرات التخصيب في مواقع مثل نطنز وفوردو باعتبارها بؤرة التهديد الأكثر إلحاحًا في برنامج إيران النووي المثير للقلق.
مفاعل نطنز هو الهدف
ويشكّل مفاعل بوشهر حالة خاصة في الحسابات الإسرائيلية. فخشيةُ التسبب في كارثة إشعاعية واسعة النطاق وصعوبةُ اختراق بنيته الإنشائية المحصّنة دفعا إسرائيل إلى استبعاده من قائمة الأهداف العسكرية المباشرة. بالمقابل، ركّزت تل أبيب جهودها على ضرب العناصر الأكثر حساسية في برنامج إيران النووي، وفي مقدمتها منشآت تخصيب اليورانيوم الموجودة تحت الأرض كنطنز وفوردو.
هذه الاستراتيجية تستهدف إبطاء تقدم إيران نحو امتلاك قدرات نووية عسكرية، مع تجنب الخطوات التي قد تفضي إلى تداعيات إشعاعية كارثية لا تُحمد عقباها.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.