دولة أجنبية وراء اغتيال رئيس جزائري؟.. لا يزال ملف وفاة الرئيس الجزائري الأسبق هواري بومدين يثير الكثير من الجدل بعد مرور أكثر من أربعة عقود على رحيله المفاجئ عام 1978.
وفي أحدث تصريح مثير للانتباه، خرجت المجاهدة زهرة ظريف بيطاط، إحدى أيقونات الثورة الجزائرية وزوجة المناضل الراحل رابح بيطاط، لتؤكد في حوار تلفزيوني على قناة “وان تيفي” أن وفاة بومدين لم تكن طبيعية، وإنما وراءها مخطط اغتيال سياسي استُخدم فيه مرض نادر للغاية يعرف باسم Waldenström’s Macroglobulinemia، وهو نوع من السرطان الدموي غير الشائع.
دولة أجنبية وراء اغتيال رئيسٍ جزائري؟: “بومدين لم يمت ميتة طبيعية”
خلال اللقاء، تحدثت زهرة ظريف بيطاط بنبرة حاسمة، مؤكدة أن الرئيس الأسبق لم يرحل بسبب مرض عادي. وقالت إنها تملك قناعة راسخة بأن بومدين تعرض لعملية اغتيال مُقنّعة عبر إصابته بمرض مجهول بالنسبة للأطباء الجزائريين آنذاك. وأوضحت: “هواري بومدين لم يمت وفاة طبيعية. لقد كانوا يريدون التخلص منه، وقد نجحوا في ذلك”.
وأضافت أن المرض الذي أصاب الرئيس – وهو من أشد الأنواع ندرة – لم يكن معروفاً في الجزائر، ما جعل علاجه أمراً معقداً للغاية وأدى إلى تفاقم حالته الصحية بسرعة مذهلة.

حادثة دمشق: الضوء الأزرق الغامض
واستعادت المجاهدة واقعة اعتبرتها نقطة تحول في مسار صحة بومدين. وأشارت إلى أنه خلال زيارة رسمية إلى إحدى دول الشرق الأوسط – يُرجَّح أنها سوريا – كان الرئيس يلقي ندوة صحفية عندما تعرض لضوء قوي ووميض أزرق مفاجئ صوبه مباشرة. وتابعت: “رأيت كيف تراجع إلى الوراء متأثراً. ومنذ تلك الحادثة بدأت ملامح المرض تظهر عليه”.
وربطت ظريف بين هذه الواقعة وظهور الأعراض الأولى للمرض، معتبرة أن الضوء لم يكن طبيعياً بل جزءاً من عملية استهداف متعمدة، ربما باستخدام أسلحة إشعاعية أو تقنيات غير مألوفة في ذلك الوقت.
شهادات عن تحذيرات مسبقة
لم تكتفِ زهرة ظريف بيطاط بسرد الحادثة، بل أكدت أن مسؤولاً جزائرياً رفيع المستوى تلقى رسالة سرية من سفير دولة أجنبية كبرى. مضمون الرسالة كان واضحاً: قرار دولي اتُّخذ لتصفية بومدين جسدياً. وقالت إن تلك المعلومات عززت لديها القناعة بأن المرض لم يكن سوى وسيلة للتنفيذ.
مرض والدنستروم: ماذا يقول الطب؟
وفق المصادر الطبية الموثوقة مثل American Cancer Society وPenn Medicine، فإن مرض Waldenström’s Macroglobulinemia هو نوع نادر من الأورام اللمفاوية بطيئة النمو. يتميز بزيادة إنتاج بروتين يدعى IgM داخل الدم، ما يؤدي إلى لزوجة عالية ومضاعفات في الجهاز المناعي.
- أسباب المرض: الدراسات العلمية تشير إلى أن المرض يرتبط بطفرات جينية محددة أهمها MYD88 وCXCR4.
- مدى الندرة: يمثل أقل من 2% من سرطانات الدم، وغالباً ما يُكتشف عند الأشخاص فوق سن الخمسين.
- غياب دلائل التسميم: لا توجد في الأدبيات الطبية أي أدلة على إمكانية زرع هذا المرض بشكل متعمد عبر إشعاع أو مادة معينة.
هذا ما يجعل تصريحات المجاهدة تثير جدلاً بين من يراها تفسيراً سياسياً مفهوماً في سياق تلك المرحلة، ومن يتمسك بالتفسيرات الطبية البحتة.
التشكيك في الرواية الرسمية: ليس جديداً
الحديث عن اغتيال بومدين ليس وليد اليوم. فقد سبق لمستشاره الإعلامي والسياسي محي الدين عميمور أن أكد في أكثر من مناسبة أنه لم يقتنع بالرواية الرسمية التي تحدثت عن مرض طبيعي. وألمح إلى أن بومدين قد يكون تعرض للتسميم، مستشهداً بما وقع لاحقاً للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.
عميمور اعتبر أن سياق الحرب الباردة والمواقف السياسية الصارمة لبومدين في القضايا العربية والإفريقية جعلا منه هدفاً للقوى الكبرى التي لم تكن مرتاحة لخطه التحرري المستقل.

خلفيات سياسية: لماذا قد يُغتال بومدين؟
هواري بومدين لم يكن رئيساً عادياً، بل أحد أبرز رموز حركة عدم الانحياز، وصاحب حضور قوي في المحافل الدولية. كان داعماً أساسياً لحركات التحرر في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ووقف في وجه سياسات الولايات المتحدة وبعض القوى الأوروبية. كما كان له دور محوري في تعزيز التضامن العربي، خاصة في حرب أكتوبر 1973 حين دعم مصر وسوريا عسكرياً ومالياً.
هذه المواقف جعلت منه شخصية مزعجة لعدة قوى إقليمية ودولية، وهو ما يفتح الباب أمام فرضيات الاغتيال السياسي.
الاغتيال بين الرواية والخيال
بينما تستند تصريحات زهرة ظريف بيطاط إلى شهادات ومواقف شخصية، يبقى غياب الأدلة العلمية الموثقة نقطة ضعف في فرضية الاغتيال. فالمصادر الطبية تؤكد أن المرض قد يظهر فجأة، وأن أسبابه ترتبط بعوامل جينية وبيئية معقدة، لا بتدخل بشري مباشر.
غير أن تاريخ الصراعات الدولية حافل بأمثلة على استخدام السموم والإشعاعات كسلاح لتصفية خصوم سياسيين، كما حصل مع بعض الشخصيات الروسية مثل ألكسندر ليتفينينكو، ما يجعل من الصعب إغلاق الملف نهائياً.
بومدين شخصية أسطورية في الذاكرة الجزائرية
منذ رحيله، ظل بومدين شخصية أسطورية في الذاكرة الجزائرية والعربية. وقد ساهم الغموض الذي لفّ وفاته في تكريس صورته كزعيم رحل مبكراً وهو في أوج عطائه السياسي. ومع تصريحات شخصيات تاريخية مثل زهرة ظريف بيطاط، يعود النقاش مجدداً حول طبيعة موته: هل كان ضحية مرض نادر؟ أم صيداً سياسياً في لعبة أمم لا ترحم؟
إعادة فتح ملف وفاة هواري بومدين بعد أكثر من أربعين عاماً يعكس مكانة الرجل في التاريخ الجزائري والعربي، ويؤكد أن سيرته لا تزال تلهم النقاشات وتثير التساؤلات. وبينما تبقى الحقيقة العلمية أقرب إلى تفسير مرضي بحت، فإن الظروف السياسية الدولية آنذاك تجعل فرضية الاغتيال قائمة في المخيال الشعبي والتاريخي.
الملف لا يزال مفتوحاً، وربما سيبقى كذلك إلى أن تظهر وثائق أو أدلة جديدة تكشف الخفايا الكاملة لرحيل واحد من أبرز زعماء الجزائر.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.