كشف بنك قطر الوطني QNB في تقريره الأسبوعي عن استمرار الضغوط على الدولار الأميركي، مرجحًا أن يشهد مزيدًا من الانخفاض في قيمته على المديين المتوسط والطويل، رغم التراجع الحاد الذي بدأ منذ مطلع عام 2025، والذي وصفه بأنه الأسوأ منذ فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1973.
ووفقًا للتقرير، فإن ضعف تفوق الأداء الاقتصادي الأمريكي، والمبالغة في تقييم العملة، إلى جانب التراكم الكبير للأصول غير المقيمة داخل الولايات المتحدة، تشكل أسبابًا رئيسية لهذا الاتجاه التنازلي في قيمة الدولار.

سوق العملات الأجنبية… الأكبر عالمياً
وأشار التقرير إلى أن سوق صرف العملات الأجنبية هو الأكبر على مستوى العالم من حيث السيولة، بحجم تداول يومي يتجاوز 7.5 تريليون دولار. ويعمل السوق على مدار الساعة خمسة أيام في الأسبوع، ما يجعل الدولار أكثر تأثرًا بتقلبات الأسواق والمضاربات.

أسوأ بداية عام للدولار الأمريكي منذ 1973
سجّل مؤشر الدولار الأمريكي تراجعًا ملحوظًا أمام جميع العملات الرئيسية المدرجة ضمن سلة المؤشر، والتي تشمل: اليورو، الين الياباني، الجنيه الإسترليني، الدولار الكندي، الكرونة السويدية، والفرنك السويسري. هذا التراجع الشامل جعل من بداية عام 2025 الأسوأ للدولار منذ أكثر من خمسة عقود، في إشارة إلى عمق الضغوط الاقتصادية والنقدية التي تواجه العملة الأمريكية.
ويُعد هذا الانخفاض انعكاسًا واضحًا لتراجع ثقة المستثمرين في قوة الدولار على المدى القريب، مدفوعًا بجملة من العوامل، أبرزها تباطؤ الاقتصاد الأمريكي، واستمرار سياسة التيسير النقدي من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي، وتوسع العجز المالي والتجاري للولايات المتحدة. كما ساهمت السياسات النقدية الأكثر تشددًا في الاقتصادات الأخرى، خاصة منطقة اليورو واليابان، في دعم عملاتها مقابل الدولار، ما زاد من حدة تراجع المؤشر.
ويشير اقتصاديون إلى أن هذا الأداء الضعيف في الربع الأول من 2025 قد يُمهّد لتحولات استراتيجية في مراكز الاحتياطي النقدي العالمية، مع تنامي الدعوات إلى تنويع سلال العملات وتقليص الاعتماد المفرط على الدولار الأمريكي في التسويات التجارية الدولية.
ثلاث حجج رئيسية لانخفاض الدولار الأميركي
1. انكماش الفجوة في الأداء الاقتصادي
توقّع التقرير أن تتقلّص الفجوة الكبيرة في معدلات النمو بين الولايات المتحدة ودول منطقة اليورو، مع استمرار التباطؤ الأمريكي وتوجه أوروبا نحو سياسات مالية مرنة. وقد يؤدي هذا إلى تقوية اليورو، الذي يمثل 57.6% من سلة عملات مؤشر الدولار.
2. مبالغة في تقييم العملة الأمريكية
بحسب مقياس أسعار الصرف الفعلية الحقيقية لشهر مايو 2025، فإن الدولار الأمريكي مقيم بأعلى من قيمته العادلة بنسبة تزيد عن 17%، ما يجعله مرشحًا لتصحيح سعري نحو الانخفاض.
3. عجز استثماري خارجي قياسي
تشير البيانات إلى أن الولايات المتحدة أصبحت المدين الأكبر في العالم، بصافي وضع استثماري دولي سلبي بلغ 24.6 تريليون دولار، أي ما يعادل 88% من ناتجها المحلي الإجمالي. ويرى البنك أن هذا الخلل سيؤدي إلى تدفقات رأسمالية خارجة مستمرة من الولايات المتحدة، ما يفاقم من ضغوط البيع على الدولار.
تنسيق عالمي مطلوب
وفي ختام تقريره، أكد بنك قطر الوطني (QNB) أن معالجة اختلالات سعر صرف الدولار الأمريكي لا يمكن أن تتحقق عبر إجراءات فردية أو قصيرة الأجل، بل تتطلب تنسيقًا دوليًا واسع النطاق بين السياسات النقدية والمالية العالمية.
وشدد التقرير على أن إعادة التوازن للعملة الأمريكية لن تكون عملية سريعة أو مؤقتة، بل تستدعي سنوات من الإصلاحات الهيكلية العميقة في النظام المالي العالمي، وتشمل إعادة النظر في التوزيع الجغرافي للتدفقات التجارية والمالية، بالإضافة إلى تعزيز الاستقرار النقدي عبر مؤسسات دولية فعالة.
وأشار البنك إلى أن مواصلة الدولار الأمريكي فقدان جزء من قيمته تُعد جزءًا من مرحلة “تصحيح ضروري”، يهدف إلى معالجة الاختلالات التي تفاقمت في السنوات الماضية، نتيجة الفجوة بين العجز التجاري الأمريكي والتغيرات في أسعار الفائدة والتدفقات الرأسمالية العالمية.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.