شهدت العاصمة القطرية الدوحة، يوم الإثنين 15 سبتمبر 2025، انعقاد قمة استثنائية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، برئاسة أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني ، وبمشاركة قادة ورؤساء وفود من الإمارات والبحرين والسعودية وسلطنة عمان والكويت، إضافة إلى الأمين العام لمجلس التعاون، خلص بقرار تفعيل قدرات الردع ضد إسرائيل.
— الخارجية القطرية (@MofaQatar_AR) September 15, 2025
قدرات الردع ضد إسرائيل
وقد انعقد هذا الاجتماع الطارئ في ظل أجواء مشحونة بالتوتر، عقب العدوان الإسرائيلي الغاشم الذي استهدف منشآت سكنية في الدوحة كان يقيم فيها أعضاء من الوفد المفاوض لحركة حماس، ما أسفر عن استشهاد عنصر من أجهزة الأمن القطري وسقوط ضحايا مدنيين في منطقة مكتظة بالسكان والمدارس والبعثات الدبلوماسية.
إدانة جماعية ورسالة وحدة
منذ اللحظة الأولى، اتسمت القمة بلغة حازمة في إدانة الاعتداء الإسرائيلي. فقد اعتبر القادة أن استهداف قطر لا يمثل تهديدًا معزولًا، بل هو اعتداء على سيادة وأمن جميع دول المجلس. هذه المقاربة الجماعية تعكس ما ورد في النظام الأساسي لمجلس التعاون واتفاقية الدفاع المشترك، التي تؤكد أن أي عدوان على دولة عضو هو عدوان على بقية الدول.
وتشير هذه المواقف إلى أن الخليج يخطو نحو مرحلة جديدة، يتجاوز فيها التصريحات السياسية إلى تبني خطوات عملية لحماية أمنه القومي.

من التضامن السياسي إلى الدفاع العملي
على مدى عقود، شكّلت القمم الخليجية منصة للتشاور وتنسيق المواقف السياسية، لكن قمة الدوحة الأخيرة وضعت أسسًا أكثر عملية. فقد تم تكليف مجلس الدفاع المشترك واللجنة العسكرية العليا بعقد اجتماعات عاجلة في العاصمة القطرية لتقييم الوضع الدفاعي، وتحديد مصادر التهديد، واتخاذ إجراءات فورية عبر القيادة العسكرية الموحدة.
هذا التحرك يعكس أن المجلس بصدد تفعيل آليات الدفاع المشترك، ليس فقط كورقة سياسية، بل كخطة قابلة للتنفيذ تشمل تحريك القوات والقدرات العسكرية والاستخباراتية المشتركة.
آليات الدفاع المشترك.. المفهوم والتطبيق
آليات الدفاع المشترك في مجلس التعاون تقوم على فكرة أن الأمن الخليجي وحدة متكاملة. وهي منصوص عليها في اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة عام 2000، والتي تنص بوضوح على أن أي عدوان خارجي على دولة عضو يُعتبر عدوانًا على الجميع.
تطبيق هذه الآليات يعني:
- تحريك القيادة العسكرية الموحدة لمجلس التعاون.
- تنسيق التحركات بين وزارات الدفاع واللجان العسكرية العليا.
- نشر قوات خليجية مشتركة في حال الضرورة.
- توظيف المنظومات الدفاعية الجوية والصاروخية لحماية الأجواء.
- العمل الاستخباراتي المشترك لمتابعة التهديدات.
بهذا، لا يعود الاعتداء على دولة واحدة شأنًا داخليًا، بل يصبح شأنًا إقليميًا يستوجب استنفارًا جماعيًا.
تفعيل قدرات الردع الخليجية ضد إسرائيل
خلال السنوات الماضية، استثمرت دول مجلس التعاون بشكل كبير في تحديث جيوشها وتطوير ترسانتها العسكرية. واليوم تمتلك هذه الدول قدرات ردع متطورة تشمل:
- منظومات دفاع جوي وصاروخي مثل “باتريوت” و”ثاد”.
- أساطيل جوية تضم مقاتلات من طراز “إف-15″، “إف-16″ و”إف-35”.
- قوات بحرية قادرة على حماية الممرات الاستراتيجية في الخليج العربي.
- منظومات قيادة وسيطرة واتصالات متكاملة.
عند جمع هذه القدرات تحت مظلة واحدة، تصبح دول الخليج قوة إقليمية يصعب تجاهلها، خصوصًا إذا فُعِّلت بشكل منسق ضد أي تهديد خارجي.
التهديد الإسرائيلي في عين الاعتبار
الهجوم الإسرائيلي على الدوحة لم يكن مجرد حادث عابر، بل حمل رسائل سياسية وعسكرية. فقد استهدف في جوهره جهود الوساطة القطرية للتوصل إلى اتفاق في غزة، وسعى لإظهار أن إسرائيل قادرة على ضرب أهداف في عمق المنطقة دون رادع.
لكن الرد الخليجي الجماعي بعقد قمة استثنائية وتفعيل آليات الدفاع المشترك يعكس إرادة واضحة لتغيير قواعد اللعبة، والتأكيد أن أي محاولة لاستفراد إسرائيل بدولة خليجية ستقابل بتحرك جماعي.

رسائل القمة إلى المجتمع الدولي
القمة لم تكن موجهة لإسرائيل وحدها، بل للمجتمع الدولي أيضًا. فقد دعا القادة مجلس الأمن والأطراف الفاعلة إلى تحمل مسؤولياتهم ووقف الانتهاكات الإسرائيلية التي تهدد السلم والأمن الدوليين. كما شددوا على أن الصمت الدولي إزاء هذه الممارسات يمثل خطرًا على استقرار المنطقة بأسرها.
وفي الوقت نفسه، وجّهت القمة شكرها للدول العربية والإسلامية والصديقة التي سارعت لإدانة الاعتداء والتضامن مع قطر، معتبرة أن هذه المواقف تعكس التزامًا جماعيًا برفض انتهاك سيادة الدول.
محطة فارقة في تاريخ مجلس التعاون
يرى محللون أن ما جرى في قمة الدوحة يمثل تحولًا نوعيًا في مسيرة العمل الخليجي المشترك. فمنذ تأسيس المجلس عام 1981، لم يتم تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك بهذا الشكل المباشر والعملي. واليوم، يبدو أن المجلس بصدد ترسيخ مفهوم جديد للأمن الجماعي، يتجاوز التنسيق السياسي إلى الاستعداد العسكري الفعلي.
وهذا التحول يضع دول الخليج أمام مرحلة جديدة من التعاون الأمني والدفاعي، قد تجعلها أقرب إلى نماذج التحالفات الدفاعية الكبرى مثل “الناتو”، مع الحفاظ على خصوصية التجربة الخليجية القائمة على وحدة المصير والهوية.
اجتماع اللجنة العسكرية العليا العاجل لدول الخليج في الدوحة
ترأس رئيس أركان القوات المسلحة الفريق الركن (طيّار) جاسم بن محمد المناعي، اجتماع اللجنة العسكرية العليا العاجل لرؤساء أركان القوات المسلحة بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية في العاصمة القطرية الدوحة. وألقى المناعي خلال الاجتماع كلمة رحب فيها برؤساء الأركان، كما أدانت اللجنة العسكرية بأشد العبارات الاعتداء الإسرائيلي والانتهاك الصارخ لدولة قطر موكدة أن هذا العمل يمثل تصعيدا خطيرا ومخالفة لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة.
وأكدت اللجنة العسكرية العليا أن الاعتداء على دولة قطر هو اعتداء على دول مجلس التعاون، وتؤيد دولة قطر في جميع الإجراءات التي تتخذها لمواجهة هذا الاعتداء.
وجرى خلال الاجتماع، استعراض التحديات الأمنية والعسكرية على الساحتين الإقليمية والدولية وبحث العديد من المواضيع التي تسهم في تعزيز مستقبل السياسة الدفاعية الخليجية، وتقوية التنسيق في مجالات التعاون العسكري بين الدول الأعضاء وفق استراتيجية موحدة تخدم الأمن الخليجي المشترك.

السيناريوهات المقبلة
يبقى السؤال: ما الذي قد يترتب على هذا التوجه في المرحلة المقبلة؟ السيناريو الأول يتمثل في تكثيف التنسيق العسكري عبر مناورات مشتركة وتفعيل القيادة الموحدة على الأرض. أما السيناريو الثاني فيرتبط بالمجال السياسي والدبلوماسي، حيث يمكن أن يؤدي هذا الموقف الجماعي إلى تعزيز نفوذ الخليج في المحافل الدولية، وربما دفع المجتمع الدولي إلى إعادة النظر في سياساته تجاه إسرائيل.
وفي كل الأحوال، تبدو قمة الدوحة محطة مفصلية، ليس فقط في مواجهة العدوان الإسرائيلي، بل في رسم ملامح مستقبل الأمن الخليجي.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.