ألقى أمير دولة قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني خطابًا مهمًا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين المنعقدة في نيويورك، حمل رسائل واضحة وصريحة بشأن الأوضاع في الشرق الأوسط والعالم، خصوصًا ما يتعلق بالقضية الفلسطينية، الحرب في غزة، والوضع في سوريا، إضافة إلى دور قطر في الساحة الدولية كوسيط فاعل وحاضر في القضايا الإقليمية والعالمية.
أمير قطر يقصف إسرائيل
بدأ أمير قطر خطابه بتشخيص الوضع الراهن في الأراضي الفلسطينية المحتلة، مسلطًا الضوء على السياسات الإسرائيلية التي وصفها بأنها تتجاوز الهدن والتسويات، وتسعى إلى فرض إرادتها على محيطها العربي. وأكد سموه أن إسرائيل تحاول من خلال دعايتها تصوير أي معترض على ممارساتها إما “إرهابيًا” أو “معادياً للسامية”، وهو ما يمثل قلبًا للحقائق وتشويهًا للمواقف السياسية المشروعة.

وأشار الشيخ تميم إلى أن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو يفاخر علنًا بمنع تحقيق السلام مع الفلسطينيين، معتبرًا أن حكومته تستغل أجواء الحرب لتوسيع المستوطنات وفرض وقائع جديدة في القدس. وأضاف أن مثل هذه السياسات لا تؤدي إلا إلى إطالة أمد الصراع وزيادة معاناة الشعب الفلسطيني، بينما تسقط أي إمكانية لعملية سلام جادة.
الاعتراف بفلسطين خطوة تعزز الشرعية الدولية
في سياق متصل، توقف أمير قطر عند الاعترافات الدولية المتزايدة بدولة فلسطين، مبينًا أن هذه الخطوات تحمل في طياتها رسالة واضحة: العنف لن ينهي قضية ذات جذور عميقة كالقضية الفلسطينية. وقال سموه إن الاعتراف بالدولة الفلسطينية يعكس قناعة متنامية لدى المجتمع الدولي بضرورة الحل العادل والشامل، مثمنًا في الوقت نفسه الدول التي اتخذت هذه الخطوة الجريئة والداعمة للشرعية الدولية.
وشدد الأمير على أن هذه الاعترافات ليست مجرد إجراءات رمزية، بل هي جزء من مسار سياسي يؤكد أن الحق الفلسطيني ثابت لا يسقط بالتقادم، وأن إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية هو الحل الوحيد لإنهاء دوامة العنف.
وساطة قطر في حرب غزة
خصّ الشيخ تميم جزءًا من خطابه للحديث عن الجهود القطرية في الوساطة لإنهاء الحرب في غزة، مبينًا أن قطر، بالتعاون مع مصر والولايات المتحدة، نجحت في تحرير 148 رهينة من أيدي الفصائل الفلسطينية. وأوضح أن مثل هذه الإنجازات لم تكن لتتحقق لولا الجهود المتواصلة التي بذلتها الدوحة طوال عامين كاملين في مساعيها لإنهاء الحرب وإيجاد تسوية إنسانية وسياسية للأزمة.
سمو الأمير المفدى: نتطلع للترحيب بكم في مؤتمر القمة العالمي الثاني للتنمية الاجتماعية الذي تستضيفه دولة قطر خلال شهر نوفمبر 2025#تلفزيون_قطر | #خطاب_سمو_الأمير pic.twitter.com/cJsYSPrDeM
— تلفزيون قطر (@QatarTelevision) September 23, 2025
لكن الأمير لفت في الوقت نفسه إلى أن القصف الإسرائيلي الأخير الذي استهدف الدوحة، وأسفر عن سقوط ستة شهداء من بينهم مواطن قطري، كان محاولة غادرة لإفشال هذه الجهود. وأكد أن استهداف وفد حماس المفاوض في العاصمة القطرية يمثل اعتداء صارخًا على دولة لم تدخر جهدًا في سبيل تحقيق السلام.
وأضاف: “لا يسعى طرف لاغتيال وفد يفاوضه إلا بهدف إفشال المفاوضات”،
مشيرًا إلى أن الحكومة الإسرائيلية تخلت عمليًا عن تحرير الرهائن حين رفضت وقف الحرب كثمن لذلك.
سوريا بين الأمل والتحديات
وفي الشأن السوري، أكد أمير قطر أن البلاد تمر بمرحلة جديدة من مسيرتها المعقدة، معربًا عن أمله في أن تشكل هذه المرحلة بداية لتحقيق تطلعات الشعب السوري في الحرية والكرامة والاستقرار. وأوضح أن قطر تتابع عن كثب التطورات في سوريا، وتدعو جميع الأطراف إلى تغليب مصلحة الشعب على أي اعتبارات أخرى، مشددًا على أن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لإنهاء الأزمة المستمرة منذ سنوات.
قطر ودورها الدولي
استغل الشيخ تميم منبر الأمم المتحدة لتذكير العالم بدور قطر المتنامي على الساحة الدولية، موضحًا أن ثقة المجتمع الدولي بالدوحة ترتكز على سجل من النجاحات في إدارة الأزمات وتنظيم الفعاليات الكبرى. وضرب مثالًا ببطولة كأس العالم لكرة القدم التي استضافتها قطر عام 2022، معتبرًا أنها كانت مناسبة أثبتت قدرة بلاده على جعل التنافس الرياضي ساحة للتواصل والتقارب بين الشعوب.
وأكد الأمير أن قطر ستظل شريكًا فاعلًا في المجتمع الدولي، وستواصل جهودها في الوساطة لحل النزاعات، ليس فقط في الشرق الأوسط، بل أيضًا في إفريقيا ومناطق أخرى من العالم.
شددت في كلمتي أمام الجمعية العامة على أن الهجوم الإسرائيلي الغادر على قطر هو إرهاب دولة لإفشال المفاوضات وتدمير غزة. السلام في منطقتنا يتحقق بإقامة الدولة الفلسطينية، وستبقى قطر وفيةً لنهجها بوساطتها ودبلوماسيتها ومناصرة الحق وبناء جسور السلام وتعزيز العدالة في العلاقات الدولية. pic.twitter.com/X03aoNjt2v
— تميم بن حمد (@TamimBinHamad) September 23, 2025
التحذير من منطق القوة
في ختام خطابه، وجه أمير قطر رسالة تحذير إلى المجتمع الدولي من مخاطر تغليب منطق القوة على منطق النظام الدولي. وقال إن تراجع دور المؤسسات الدولية أمام منطق القوة يعني السماح بسيادة “منطق الغاب”، وهو ما يقوّض الاستقرار العالمي ويزيد من حالة الفوضى.
وأشار إلى أن بعض الأطراف أصبحت تنظر إلى التجاوزات في العلاقات الدولية كدليل على القوة، بينما تعتبر التسامح والتعاون ضعفًا أو عجزًا، مؤكداً أن هذا المسار إذا استمر فإنه سيؤدي إلى تدهور خطير في النظام الدولي برمته.
رؤية قطر لمستقبل المنطقة
من خلال خطابه، رسم الشيخ تميم ملامح رؤية قطر لمستقبل المنطقة، رؤية قائمة على العدالة، الحوار، واحترام القانون الدولي. فالقضية الفلسطينية لا يمكن أن تُدفن تحت أنقاض الحروب، وسوريا لا يجب أن تُترك أسيرة للأزمات المتكررة، والعالم بحاجة إلى نظام دولي أكثر فاعلية يحمي الضعفاء ويحاسب المعتدين.
لقد جاء خطاب أمير قطر ليؤكد أن الدوحة، تملك تأثيرًا كبيرًا في الملفات الإقليمية والدولية، بفضل دبلوماسيتها النشطة ومواقفها المبدئية. وهي بذلك تواصل لعب دورها كصانعة سلام، رافضة الخضوع لمنطق القوة، ومتمسكة بالعدالة كقيمة أساسية في العلاقات الدولية.





يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.