دوحة 24 في ضيافة مجلس علي بن حسين السادة بمدينة الرويس
على بعد نحو مئة وعشرة كيلومترات شمال العاصمة الدوحة، تستقر مدينة الرويس بهدوئها المعروف وبساطتها التي تشبه ملامح البحر القريب منها. هنا، بعيدًا عن صخب المدينة وضجيجها اليومي، ما زالت الحياة الاجتماعية تحتفظ بإيقاعها الأصيل، حيث تتجسد روح المجتمع، ثقافة المجالس في قطر التي لا تزال تمثل قلب الحياة الاجتماعية والثقافية في هذه المنطقة الساحلية الهادئة.
وفي ظل التوترات التي تشهدها منطقة الخليج في الآونة الأخيرة، تبدو هذه المجالس وكأنها ملاذ اجتماعي وثقافي يجتمع فيه المواطنون والمقيمون على حد سواء، يستعيدون من خلاله طقوس اللقاء والحوار، ويجدون فيه مساحة للسكينة والتواصل الإنساني بعيدًا عن صخب الأخبار وتسارع الأحداث.
وفي هذا السياق، حلت “دوحة 24” ضيفة على مجلس علي بن حسين بن علي السادة، في مدينة الرويس، حيث تتجسد صورة المجلس القطري في أبهى معانيها؛ مجلس مفتوح، تلتقي فيه الأجيال، وتتداخل فيه الذاكرة مع الحاضر، وتبقى فيه القهوة العربية شاهدة على كرم الضيافة وأصالة المكان.
المجالس في الزمن الجميل..
عند الحديث عن المجالس في الماضي، يستعيد صاحب المجلس علي بن حسين بن علي السادة، ذكرياته الأولى مع هذا التقليد الاجتماعي العريق، مشيرًا إلى أن المجالس في الزمن الجميل كانت مختلفة تمامًا عما نراه اليوم.
مجلس علي بن حسين السادة في مدينة الرويس
يقول صاحب المجلس إن المجالس آنذاك كانت تخلو من الهواتف الذكية والتلفزيون ووسائل الترفيه الحديثة، وكان الحوار هو سيد المكان. وكان للصغار مكانهم الخاص أيضًا، إذ لم يكن يُسمح لهم بدخول المجلس، بل يكتفون بالجلوس عند الباب، يراقبون المشهد من الخارج ويصغون بفضول لما يدور داخله من حديث الرجال.
ويضيف مبتسمًا:
“كنا نُكلف أحيانًا بصب القهوة العربية للضيوف أو بجلب ما يُطلب منا، لكن في الحقيقة كنا نستغل تلك اللحظات لنصغي إلى الأحاديث الدائرة في المجلس”.
ويؤكد أن تلك المجالس كانت بالنسبة للأطفال نافذة واسعة على العالم، حيث كانوا يتعرفون من خلالها على أخبار المدن الأخرى، ويتعلمون من قصص الضيوف وتجاربهم، بل ويكتسبون معارف لا تقدمها المدارس.
ويقول:
“كنا نتعلم في المجلس أشياء كثيرة؛ قصصًا من التاريخ، وأخبارًا من خارج مدينتنا، وحكمًا وتجارب من كبار السن… كان المجلس مدرسة حقيقية للحياة”.
الأطفال و ثقافة المجالس
المجالس مدارس..
ويلخص بدر علي حسن السادة فلسفة المجالس في عبارة بسيطة لكنها عميقة المعنى، إذ يقول:
“إذا أردت أن أعرّف المجلس في كلمة واحدة فسأقول: المجالس مدارس”.
ويشرح أن المجلس عادة اجتماعية متوارثة جيلاً بعد جيل، فقد نشأ هو نفسه وهو يرافق والده “علي بن حسين بن علي السادة”، إلى المجلس منذ نعومة أظافره، كما كان والده يفعل مع جده من قبل، في سلسلة متواصلة من التقاليد الاجتماعية التي تعبر عن عمق الترابط العائلي والمجتمعي في المجتمع القطري.
ويضيف أن هذه المجالس لا تقتصر على كونها مكانًا للقاء، بل هي فضاء لتبادل الخبرات والمعرفة وتناقل الحكمة، حيث يجتمع فيها أهل الخبرة والرأي وأصحاب التجارب المختلفة.
مجلس مفتوح طوال العام
ويؤكد بدر علي السادة أن مجلس والولد “علي بن حسين بن علي السادة” يظل مفتوحًا طوال العام أمام الجميع دون استثناء، مرحبًا بكل من يرغب في الحضور والمشاركة في الحوار.
غير أن الإقبال على المجلس يتضاعف بشكل ملحوظ خلال شهر رمضان المبارك، حيث تتحول المجالس القطرية في هذا الشهر الفضيل إلى فضاءات عامرة بالنقاشات الثقافية والدينية والاجتماعية.
ويشير إلى أن طبيعة الحياة الحديثة ومشاغل العمل خارج الرويس ومواقيت الدوام المختلفة أصبحت أحيانًا تحول دون التزام بعض الناس بالحضور اليومي كما كان يحدث في الماضي، إلا أن هناك من يظل مخلصًا للمجلس ومواظبًا على حضوره.
ويقول:
“هناك أشخاص أصبح المجلس جزءًا من يومهم، وإذا غاب أحدهم لفترة فإن أول ما يفعله رواد المجلس هو السؤال عنه والاطمئنان عليه”.
المجلس… خلية معرفة
ويشبه بدر علي حسن السادة المجلس بوعاء كبير للمعرفة والخبرة، قائلاً إن المجلس يشبه إناءً يمتلئ بالعلم والرأي والحكمة، بينما يشبه رواده بالنحل الذي يجمع الرحيق من كل زهرة ليصنع العسل.
ويضيف:
“في المجلس تجد الطبيب، فإذا كان الحديث عن الصحة استمع الجميع إلى رأيه. وتجد رجل الأعمال إذا كان النقاش حول التجارة. كما يوجد الإمام إذا كان الحديث في أمور الدين. كل شخص يضيف من خبرته، وكل مجلس يتحول إلى مساحة لتبادل المعرفة”
هذا التنوع في الحضور يجعل المجلس أشبه بمنتدى اجتماعي مصغر، يجتمع فيه أصحاب الخبرات المختلفة، ويتحول فيه النقاش إلى مصدر للمعرفة الجماعية.
المجالس مدارس..
مكانة رجل الدين في المجلس
من جانبه، يوضح صاحب المجلس “أبو بدر، علي بن حسين بن علي السادة” أن للمجلس تقاليده وآدابه التي ظل المجتمع القطري يحافظ عليها عبر الأجيال.
ويقول إن رجل الدين يحظى في المجلس بمكانة خاصة واحترام كبير، حيث يُقدَّم في المجلس على غيره من الحضور تقديرًا لمكانته العلمية والدينية.
كما يحظى الرجل المعروف بالعبادة والصلاح بمقام رفيع بين رواد المجلس، إذ يحرص الجميع على احترامه وتقدير حضوره لما يمثله من قدوة أخلاقية وروحية داخل المجتمع.
المجالس… منابر ثقافية في رمضان
وتعد المجالس الأهلية والصالونات الثقافية في شهر رمضان من أبرز المنابر المجتمعية التي تسهم في تعزيز الوعي الثقافي والديني، وترسيخ القيم الأصيلة التي قام عليها المجتمع القطري عبر تاريخه.
فهي ليست مجرد أماكن للقاء والتواصل، بل مدارس اجتماعية مفتوحة تنتقل فيها الخبرات بين الأجيال، وتستعاد فيها الذاكرة الشعبية، ويتجدد فيها حضور القيم التي تجمع بين الدين والأخلاق والهوية الوطنية.
وخلال شهر رمضان على وجه الخصوص، تكتسب هذه المجالس أهمية مضاعفة لما يحمله الشهر الكريم من أجواء روحانية، حيث تتحول المجالس إلى فضاءات لتلاوة القرآن الكريم، وتدارس السيرة النبوية، ومناقشة قضايا المجتمع، إلى جانب تعزيز قيم الاحترام وحسن الاستماع وتقدير الكبار.
ثقافة المجالس في قطر
ثقافة المجالس في قطر
وفي هذا السياق، أكد الباحث في التراث والتاريخ “عبدالعزيز البوهاشم السيد”أن القطريين يفخرون بالمجالس ويولونها أهمية كبيرة، لما لها من دور في حفظ الموروث الثقافي والاجتماعي.
وأشار إلى أن هذه المجالس تسهم في ترسيخ معاني الكرم والضيافة وحسن الاستقبال، وتغرس في نفوس الزائرين، خاصة الشباب، أن الضيافة ليست مجرد سلوك اجتماعي، بل قيمة أخلاقية عميقة تعكس هوية المجتمع وتاريخه.
وأضاف أن المجالس القطرية تحرص على أن تكون بيئة إيجابية تجمع بين أصالة التراث وحيوية الحوار، وتفتح أبوابها لكل ما يعزز المعرفة ويحافظ على قيم المجتمع.
تصميم يعكس روح التراث
وتشتهر المجالس القطرية كذلك بتصاميمها التي تجمع بين الفخامة والبصمة التراثية، إذ يحرص أصحاب المجالس على إبقاء عناصر من موروث الآباء والأجداد حاضرة في المكان.
ففي كثير من المجالس تصطف دلال القهوة العربية في مشهد جمالي يرمز إلى الكرم وحسن الضيافة، بينما تزين الجدران أحيانًا السيوف التقليدية التي تمثل جزءًا من التراث القطري وتحمل معاني الشجاعة والفخر والاعتزاز بالهوية.
القهوة العربية في قطر
اعتراف عالمي بقيمة المجلس
ونظرًا لقيمته الحضارية والثقافية، أقرت اللجنة الحكومية الدولية لصون التراث الثقافي غير المادي التابعة لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، في ديسمبر عام 2015 إدراج ملفي “المجلس” و”القهوة العربية” ضمن القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية.
وقد تقدمت بهذا الملف أربع دول هي قطر والسعودية وسلطنة عمان والإمارات، في خطوة تهدف إلى حماية هذا التقليد الاجتماعي العريق الذي يمثل أحد أهم عناصر الثقافة الخليجية.
الرويس… ذاكرة المجالس الحية
في مجلس علي بن حسين بن علي السادة بمدينة الرويس، تبدو المجالس القطرية وكأنها ذاكرة حية للمجتمع، تحفظ قصص الماضي وتواكب حاضر الناس، وتبقى شاهدة على ثقافة الحوار والضيافة التي شكلت ملامح المجتمع القطري عبر العقود.
فهنا، في هذا المجلس المفتوح، لا تزال القهوة العربية تُصب في هدوء، ولا تزال الأحاديث تتقاطع بين جيل وجيل، وكأن الزمن يواصل سرد حكايته في حضرة مجلسٍ لم يتخلَّ عن دوره… مدرسة للحياة.
الرابط المختصر: doha24.net/s/1tbتم النسخ!
اشترك في قائمتنا البريدية واحصل على آخر المنشورات لحظة ورودها
يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.