شهدت الأسواق القطرية خلال الشهور الأخيرة ظاهرة لافتة أثارت فضول المستهلكين والمراقبين على حد سواء: لعبة صغيرة ذات ملامح غريبة – أذنان مدببتان، ابتسامة مشرشرة، وعينان واسعتان – أصبحت فجأة هدفًا لهواة التجميع ومحبي الموضة، بل وسوقًا مربحة على نحو غير متوقع.
إنها “لابوبو” (Labubu)، الدمية التي انتقلت من عالم القصص الخيالية إلى واجهات المتاجر الراقية في الدوحة، لتصبح رمزًا للثروة الحديثة والذوق المختلف.
دمية لابوبو في قطر
فمن مشاهد عرضها في مجمع “دوحة فستيفال سيتي” إلى حسابات مؤثرين على “تيك توك” و”إنستغرام”، باتت “لابوبو” أحد أبرز تجليات الثقافة الاستهلاكية الجديدة التي تمزج بين الطرافة، الحصرية، والهوية الرقمية.

من الرسوم إلى الرفوف: قصة البداية
ظهرت شخصية “لابوبو” أول مرة عام 2015 على يد الفنان الهونغ كونغي البلجيكي كاسينغ لونغ في سلسلة كتب مصورة تحت عنوان “الوحوش”، مستوحاة من الأساطير الإسكندنافية. كانت آنذاك مجرد جزء من عالم قصصي خيالي، فيه شخصيات مزيجة من الظلام والبراءة، لكنها سرعان ما جذبت الانتباه بفضل شكلها الخارج عن المألوف.
في عام 2019، دخلت “لابوبو” السوق التجاري حين تعاون الفنان مع شركة Pop Mart الصينية، التي دمجت الشخصية في مفهوم “صناديق المفاجآت” (Blind Boxes)، حيث لا يعرف الزبون أي دمية سيحصل عليها حتى يفتح العلبة، وهو نموذج تسويقي قائم على التشويق والمقامرة الطفيفة.
تسويق بلا إعلانات.. وتأثير بلا حدود
نقطة التحول الكبرى جاءت عام 2023، حين بدأت Pop Mart بإطلاق نسخ محشوة من لابوبو على شكل ميداليات مفاتيح ودمى صغيرة، وانتشرت على الفور عبر منصات التواصل الاجتماعي. ظهرت الدمية في يد النجمة العالمية “ليسا” من فرقة BLACKPINK، ثم توالت صورها مع مشاهير مثل ريهانا وكيم كارداشيان، ليُعاد نشرها من قِبل مؤثرين عرب وقطريين، ما ضاعف من شعبيتها في المنطقة.
@laboboqa متوفر لابوبو cry للتواصل عبر الانستقرام #labubuqatar #labubu_qa #labubu_qatar #لابوبو #لابوبو_في_قطر #qatar #fypシ゚ #قطر ♬ original sound – Labubu Original Store
من دون أي حملة دعائية تقليدية، تجاوز عدد مقاطع الفيديو التي تستعرض فتح صناديق “لابوبو” أكثر من 1.4 مليون مقطع على تيك توك. واستثمرت Pop Mart في “الندرة المدروسة”، عبر إصدارات محدودة تنفد في دقائق، ما خلق حالة من التهافت لدى المستهلكين الذين لا يريدون تفويت الفرصة.

الدمية تصل إلى الخليج.. ومؤثرون قطريون في الواجهة
رُصدت الموجة الخليجية لانتشار “لابوبو” في بيانات Google Trends خلال أبريل ومايو 2025، مع ارتفاع كبير في مؤشرات البحث في الإمارات والسعودية وقطر، خاصة مع إطلاق سلسلة “Big Into Energy” ذات الطابع العصري.
ولعب مؤثرون دورًا رئيسيًا في تسريع دخول “لابوبو” إلى الثقافة المحلية، حيث نشرت فنانات تجميل ومصممات أزياء من دول الخليج مقاطع فيديو يفتحن فيها الصناديق أو يعلّقن الدمية على الحقائب الفاخرة. كما ظهرت الدمية في حفلات فنية ومناسبات شبابية، وأصبحت عنصرًا أساسًا في محتوى “ستايل الحياة” الجديد.
في أحد مقاطع الفيديو، عرضت فنانة عربية معروفة، مجموعتها الشخصية من “لابوبو”، بينما تحدثت أخرى عن محاولاتها العثور على نسخة محدودة نفدت من متجر “The Little Things”، الذي اضطر إلى فرض حد شراء لكل عميل بسبب الإقبال المتزايد.
سوق واعد وأرقام مذهلة
بحسب البيانات الرسمية الصادرة عن شركة Pop Mart في مايو 2025، بلغت إيرادات الشركة لعام 2024 نحو 13.04 مليار يوان صيني (ما يعادل 1.81 مليار دولار)، بزيادة أكثر من 106% عن العام السابق، بينما قفز صافي الربح بنسبة 185.9% ليصل إلى 3.4 مليار يوان.
وحدها سلسلة “الوحوش” التي تضم “لابوبو” حققت أكثر من 3.04 مليار يوان من الإيرادات، بنسبة نمو سنوي تجاوزت 726%، وأصبحت تمثل أكثر من 23% من إجمالي دخل الشركة.
نسخ نادرة من الدمية بيعت بمبالغ خيالية في مزادات عبر الإنترنت، وصلت إلى 150 ألف دولار، مما حوّلها من لعبة إلى مقتنى استثماري، بل ومخزن محتمل للقيمة في ثقافة المستهلك المعاصر.

ما الذي يجعل “لابوبو” مختلفة؟
النجاح ليس مصادفة. يجمع خبراء التسويق وعلم النفس الاستهلاكي على أن “لابوبو” تمثل مزيجًا نادرًا من الحصرية، التصاميم الجريئة، والتسويق غير المباشر. فهي ليست جميلة بالمعايير التقليدية، لكنها ملفتة، وتبعث على الدهشة، ما يجعلها جذابة خاصة لجيل الألفية وما بعده، الباحث عن هوية فريدة في عالم رقمي متشابه.
في السياق القطري، وجد الشباب والشابات في “لابوبو” أداة للتعبير الشخصي والتميّز، بل وأصبحت شكلًا من أشكال “رأس المال الرمزي” الذي يمكن استعراضه على الإنترنت، ويعكس ذوقًا ثقافيًا معاصرًا وعالميًا.
ما بعد “لابوبو”: موجة جديدة من الألعاب القابلة للتجميع
في ظل النجاح الساحق الذي حققته “لابوبو”، تتجه أنظار السوق العالمي نحو موجة جديدة من الألعاب المصممة للتجميع والاقتناء. دمى مثل “Molly” و”Sonny Angel” و”Bearbrick” تحظى بزخم مشابه، وتباع أيضًا داخل صناديق مغلقة تثير الحماسة والفضول.
تُقدّر قيمة سوق الألعاب القابلة للتجميع بنحو 16.7 مليار دولار في عام 2024، ويُتوقع أن تبلغ 40.3 مليار دولار بحلول 2032، بحسب تقرير صادر عن مؤسسة Business Research Insights. وهذا يعني أن “لابوبو” قد تكون مجرد بداية لعصر استهلاكي جديد، يجمع بين الفن، التسويق الرقمي، والسلوك البشر






يجب عليك تسجيل الدخول لكتابة تعليق.