كشفت لجنة التحقيق في أحداث السويداء بسوريا، خلال مؤتمر صحفي عُقد مؤخرًا، عن نتائج أولية صادمة حول ما جرى في المنطقة خلال إحدى أكثر الفترات دموية في مسار النزاع السوري. وقدّم أعضاء اللجنة تفاصيل دقيقة حول الانتهاكات، وأسبابها، والجهات المتورطة، مع دعوات صريحة لملاحقة الفارين من العدالة، والانخراط في مسار العدالة الانتقالية باعتباره أولوية وطنية.
ضعف سيطرة الدولة ومناخ ملائم للفوضى
أكدت اللجنة أن الدولة السورية لم تكن تملك السيطرة الكاملة على منطقة الساحل خلال الأحداث، ما سمح لفلول النظام وجماعات مسلحة أخرى بالتحرك بحرية وتنفيذ هجمات، في ظل غياب منظومة أمنية موحدة. ونقلت اللجنة عن عائلات ضحايا أن مجموعات مسلحة استغلت مناطقهم كقواعد لشن اعتداءات على القوات الأمنية.
أفراد خالفوا الأوامر وشكلوا عصابات
صرّح أعضاء اللجنة بأنهم وثّقوا مخالفات قام بها أفراد خالفوا التعليمات العسكرية، وانخرطوا في عمليات عنف وسرقة ونهب. كما تبين أن بعض المتورطين شكّلوا عصابات خارجة عن القانون، مستغلين الفوضى الميدانية والفراغ في السلطة.
ورغم اتساع نطاق الانتهاكات، شددت اللجنة على أن هذه الأفعال لم تكن ممنهجة أو منظمة مركزياً، بل كانت نابعة من دوافع طائفية ذات طابع ثأري، وليست مدفوعة باعتبارات أيديولوجية.
هناك من انتحل صفات عسكريين وأفراد أمن خلال أحداث السويداء
قالت لجنة التحقيق المكلفة بمتابعة أحداث السويداء بسوريا، إن بعض الأفراد قاموا بانتحال صفات عسكريين أو عناصر أمن خلال الاحتجاجات التي شهدتها المدينة، ما زاد من حالة الفوضى وأربك المواطنين.
وأكدت اللجنة أن هؤلاء الأشخاص لا يرتبطون بأي جهة رسمية، بل تعمدوا ارتداء الزي العسكري أو تقديم أنفسهم بصفات أمنية لتنفيذ أعمال خارجة عن القانون، من بينها اعتقالات تعسفية أو محاولات لزعزعة الأمن في المحافظة.
وأشارت اللجنة إلى أن هذه الانتهاكات تشكّل خطرًا حقيقيًا على الأمن العام، داعية السكان إلى توخّي الحذر وعدم التعامل مع أي جهة تدّعي صفة رسمية دون التحقق من هويتها، كما طالبت الجهات المختصة بفتح تحقيق فوري لمحاسبة المتورطين في هذه التجاوزات.
وتأتي هذه التصريحات في ظل استمرار الاحتجاجات الشعبية في السويداء، والتي تطالب بإصلاحات سياسية واقتصادية وتحسين الأوضاع المعيشية، وسط حرص الأهالي على الطابع السلمي لتحركاتهم.
توثيق 298 متورطًا.. و20 مفقودًا في أحداث السويداء بسوريا
أعلنت اللجنة أنها وثقت أسماء 298 شخصًا ثبت تورطهم في انتهاكات مباشرة، سواء بحق المدنيين أو العسكريين. كما أشارت إلى حصولها على معلومات عن 20 مفقودًا، من ضمنهم مدنيون وأفراد من القوات الحكومية، ما زال مصيرهم مجهولًا.
سقوط 1426 قتيلًا وإفادات ميدانية
وتمكّنت اللجنة من التحقق من مقتل 1426 شخصًا خلال الأحداث، بينهم مدنيون وعسكريون سابقون. وأكدت أنها جمعت 930 إفادة لشهود عيان من مختلف المناطق المتضررة، في خطوة تهدف إلى بناء سردية موثقة لما جرى على الأرض.
محاولة لتقسيم السويداء وبروز نوايا انفصالية
أشار متحدثو اللجنة إلى أن بعض فلول النظام سعوا للسيطرة على مناطق معينة في الساحل، بغرض إقامة كيان منفصل أو “دويلة”، مستغلين حالة التفكك الأمني. وقد قوبلت هذه المحاولات بعمليات عسكرية مضادة.
اجتياح من 200 ألف مسلح وانتهاكات متبادلة
كشفت اللجنة أن ما يقارب 200 ألف مسلح تحرّكوا باتجاه الساحل لاستعادته من سيطرة تلك الفلول، الأمر الذي أدى إلى اندلاع مواجهات عنيفة، سقط خلالها عدد كبير من الضحايا، وسُجلت تجاوزات وانتهاكات من مختلف الأطراف.
العدالة الانتقالية: ضرورة لاستقرار سوريا
واختُتم المؤتمر الصحفي بتأكيد اللجنة على أن تحقيق العدالة الانتقالية وملاحقة المتورطين يمثلان أساسًا لإعادة بناء الثقة داخل المجتمع السوري، مشددة على ضرورة إشراك الأهالي والضحايا في هذا المسار، وتفعيل المساءلة بما يتماشى مع القوانين المحلية والدولية.
