غداة انتشار المجاعة في غزة واستشهاد الكثير من الأطفال بسبب الجوع وسوء التغذية، قررت إسرائيل اليوم الأحد 27 يوليو /تموز 2025 إدخال المساعدات إلى غزة بعد الإعلان عن هدنة إنسانية تكتيكية مؤقتة، فقد أعلنت عن تعليق مؤقت لعملياتها العسكرية في 3 مناطق داخل غزة من بينها دير البلح ومواصي خانيونس، وهو أم سيساعد منظمات دولية مثل الأمم المتحدة “الأونروا” ومنظمة الأغذية العالمية، من إدخال المواد التموينية لإطعام آلاف من المُجوعين في غزة.
هدنة تكتيكية في إجزاء من غزة
أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اليوم 27 يوليو 2025 عن تعليق مؤقت للعمليات العسكرية في قطاع غزة، وذلك في مناطق مُحددة تم تحديدها سلفاً، وهي مناطق المواصي، دير البلح، وقلب مدينة غزة في الشمال، على أن تبدأ الهدنة بداية من الساعة 10 صباحًا وحتى الساعة مساءً يوميًا وحتى اشعار آخر.
وقد أكد الناطق باسم الجيش في إسرائيل، أنه تم تحديد ممرات آمنة بشكل مستدام بداية من الساعة 6 صباحًا وحتى الساعة 11 مساءًا، وهي المناطق التي ستسمح فيها بالتحرك الآمن لقوافل وشاحنات المنظمات الدولية وذلك لإدخال الأغذية والأدوية إلى سكان غزة الذين يُعانون من مجاعة حقيقية على مدار شهور.
القرار الإسرائيلي الأخير الذي صدر بعيداً عن المتطرفين “بن غفير” و”بتسلئيل سموتريش”، يأتي في ظل تصاعد كبير للظغوط الدولية لحل مشكلة المجاعة في غزة وحل أزمة الغذاء التي سببها إغلاق المعابر الرئيسية في القطاع الحصار والمدمر على مدار العامين، على ما يبدو أن إسرائيل استجابت ولو جزئياً للنداءات الأوروبية والعالمية، وقامت بالإعلان عن الهدنة التكتكية المؤقية والإنسانية، وبدأت في نفس الوقت بالسماح لطائرات بإسقاط المساعدات جواً على القطاع، وتديرها كل من الإمارات والأردن ودول أخرى.
في نفس الوقت انتقد المفوض العام في وكالة الأمم المُتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطنيين “فيليب لازاريني”، بأن الرجوع لرمي وإنزال المساعدات جواً، ما هي إلاى خطوة غير فعالة ولا تساعد في حل الجوع في غزة وتحد من تفاقم الكارثة الإنسانية المستمرة على مدار الشهور الماضية بداية من مارس بعد قرار إسرائيل بإغلاق المعابر نهائياً ومنع إدخال المساعدات للمواطنين في غزة بحجة سيطرة حماس عليها.
يأتي قرار الجيش الإسرائيلي الوقف المؤقت لوقف إطلاق النار لمدة 10 ساعات يومياً، بعد المشاورات التي أجراها رئيس الوزارء “بنيامين نتنياهو” مع وزرائه، وزير الدفاع “يسرائيل كاتس”، ووزير الخارجية “جدعون ساعر”، وقد تقرر السماح لدخول قوافل من المساعدات بشاحنات مصرية تحت إشراف الهلال الأحمر المصري.
يأتي القرار الأخير، بعد الجمود المؤقت الذي أصاب مفاوضات الدوحة بين حماس وإسرائيل، والتي توقف مؤقتاً بعد رد حماس الأخير والذي على إثره هاجم ترامب حماس بشدة واتهمها بأنها هي السبب في فشل المفاوضات الجارية في دولة قطر، في حين أن إسرائيل قررت سحب وفدها للتشاور، إلا أن المؤشرات تدلل على أن هناك بعض الأمل في العودة للمفاوضات للوصول إلى نقاط اتفاق للإعلان عن هدنة 60 يوماً.
الجدير ذكره، أن السكان في غزة يٌعانون من الجوع بشكل لم تشهد له البشرية مثيل على مدار التاريخ، فقد عاقبت إسرائيل شعب كامل بمنع إدخال المساعدات إلى القطاع، الأمر الذي سبب في استشهاد كثير من الأطفال بسبب سوء التغذية، فالسكان في القطاع لم يجدو الدقيق لأكله نظراً لقلة المعروض وارتفاع سعره الذي يصل سعر الكيلو إلى 60 /80 دولار أمريكي، وهو رقم ضخم لا يوجد مثيل له في العالم.
المجاعة في غزة ما زالت في ذروتها، وما زالت تفتك بأعداد من الأطفال في ظل الحرب الشرسة التي بدأت منذ ال 7 من أكتوبر، حيث تشهد غزة أزمة إنسانية حادة تجلت في انتشار المجاعة التي تضرب سكانها وقلة مواد التموين، خاصة الأطفال الذين يُعانون من مرض سوء التغذية التي أدى إلى وفاة عدد من الأطفال بسبب شُح الطحين والمواد التموينية الأساسية، فمع اقتراب العامين من الحرب على غزة، لم تشهد الحرب وضعاً إنسانياً صعباً مثلما يمر به المواطنين في قطاع غزة منذ عودة الحرب في 12 مارس 2025.
في ظل هذا الواقع المرير والمُوجع، تحولت غزة اليوم إلى قصص من مآساي الأطفال الذي يموتون من الجوع المدقع، في حين أن أصواتهم غير مسموعة وسط هذا العالم الشاسع، في مقالة اليوم سنسلط الضوء على أبعاد هذه المأساة الإنسانية على الصغير والكبير وهي التي فتكت بي أنا شخصياً، أنا كاتب المقال، ومدى تأثيرها على حياة الأطفال الذين هم بأمسّ الحاجة إلى الحليب والخبز.
بيانات صحيفة الـ غارديان
المجاعة في غزة.. قصص مؤلمة وواقع مرير
الطفل محمد من غزة ذات الأربع شهور ووزن لا يزيد عن 4 جرامات، يظهر بذراعان هزيلتان وهو يرتدي بدلة أطفال تحمل وجه الإيموجي المبتسم الخجول، وهي التي لا تمثل الواقع المرير في المستشفيات في غزة، حيث يقضي الطفل يومه باكيًا ويعضّ أصابعه النحيلة من شدة الجوع.
فهذه المرة الثانية التي يزور فيها محمد من غزة المستشفى الذي يُعاني الجوع مثل أطفال غزة الآخرين، ليس للعب أو للترفيه أو لشراء لعبة، بل لتلقي العلاج بسبب سوء التغذية، فالجوع أظهره بوجه شاحب وأطرافه مغطاه بجلد مترهل، مع ضلوع البارزة بشكل كبير.
وهذا ما أكدته جدته، فايزة عبد الرحمن، وهي التي تُعاني مثل حفيدها من آثار سوء التغذية وقلة الأكل والشرب، وهي تتخوف من فقدان حفيدها بسبب سوء التغذية الذي يفتك بالكثير من الأطفال في مستشفيات غزة، وقد أضافت الجدة الملكومة قائلة، أن الشىء الوحيد الذي أكلته في اليوم السابق، هو فقط قطعة واحدة من خبز “البيتا”، وقد كلفها مبلغ (15 شيكل) أي ما يقارب من 6 /7 دولار أمريكي (3 جنيهات استرليني)، وأضافت أيضًا، أن محمد وأخوته يُعانون من الجوع الشديد، ففي بعض الأحيان لا يجدون لقمة واحد تسد رمقهم.
فقد ولد محمد، كما الأطفال الآخرين في غزة، بصحة جديدة، ولكن بسبب إغلاق إسرائيل للمعابر وقلة الطحين ومواد التموين، سبب للطفل سوء تغذية شديد، لدرجة أن الأم لا يمكنها إنتاج حليب من ثديها، ولم تتمكن من الحصول على الحليب الصناعي وذلك لتعويض النقص في من حليب الثدي.
على حسب معلومات الصحة في غزة، هناك أكثر من 43 حالة وفاة بسبب الجوع من بين 111 حالة وفاة مسجلة في غزة خلال فترة ثلاثة أيام فقط هذا الأسبوع، والعدد في زيادة.
مستشفيات غزة ومساعدات الموت
في ظل استمرار المجاعة في غزة، قسم المستشفي في “جمعية أصدقاء المريض الخيرية” وغيرها من المستشفيات في غزة، تُعاني من اكتظاظ شديد بالأطفال الهزيلين ممن يُعانون من سوء التغذية، فالبعض مُجبر على الجلوس الأرض بسبب نقص الأسرّة، وهناك أعداد كبيرة تصل المستشفيات يومياً طلباً للعلاج، في ظل منظومة صحية مُنهارة بسبب نقص الوقود وقلة الإمكانيات المُتاحة من دواء ورعاية أولية وغيرها من اللوازم الأخرى.
الدكتور “مصعب فروانة”، هو من بين الأطباء الذي يقضون يومهم بصحبة الأطفال ممن يعانون من سوء التغذية الشديد، وبعد أن ينتهي يومه، يذهب إلى منزله للقاء أطفاله الجوعى ممن يُعانون من قلة الموارد والغذاء.
فهي من الدكاترة في غزة الذين يُعانون المجاعة في غزة ويعايشها يومياً، وهو لا يُريد المخاطرة بحياته بالذهاب إلى مساعدات الموت التي توزعها “مؤسسة غزة الإنسانية” التي تديرها شركة أمريكية مع الإسرائيليين، حيث يتم توزيع المساعدات على محور “نتساريم” وموراج في رفح، إلا أن الرصاصات والقصف لا يترك المُجوعين بحالهم، حيث يرجع عشرات الشهداء بسبب طلبهم للقمة العيش، فالدكتور مصعب لا يريد أن يكون مصيره مصير الدكتور “رمزي حجاج” الذي استشهد عند محاولته الحصول على الطعام.
غزة لم تشهد جوعاً مثل هذا على مدار العامين من الحرب التي بدأت في السابع من أكتوبر، ففي ثلاثة أيام فقط تم تسجيل 44 حالة وفاة بسبب الجوع، إضافة إلى 68 حالة من الوفيات تم تسجيلها في الشهور الأخيرة.
فقد شهدت المؤسسات الدولية إضافة إلى البيانات الصادرة من جهات دولية، إلى أن غزة تمر بأيام صعبة، والمجاعة في غزة في أوجها وما زالت تفتك بحياة عشرات من الأطفال بسبب النقص الحاد في السلع والبضائع وخاصة الطحين الذي هو مصدر الغذاء في كل بيت غزاوي.
مع قلة العرض والطلب في غزة، وإغلاق المعابر واستغلال التُجار في غزة، ارتفعت الأسعار في غزة بشكل جنوني لم يسبق له على مدار التاريخ، فقد وصل سعر الدقيق (الطحين) في غزة إلى أكثر من 30 ضعف السعر في بداية العام الجاري 2025، فقد وصل إلى ما يُقارب من 60 – 80 دولار أمريكي لكيلو الدقيق الواحد، وهو أمر خارج عن قدرة ميزانية المواطن في غزة المُنهك من حرب وقلة فرص العمل وندرتها قبل الحرب فما بالك في ظل الحرب الدائرة.
هذا الأمر لا يتوقف على سعر الدقيق في غزة، بل إن أسعار السلع والبضائع الأخرى الشحيحة أصلاً، أسعارها فلكية تصل إلى 30 ضعفاً من سعرها الحقيقي قبل الحرب، وهذا مرده أولاً إغلاق المعابر بالدرجة الأولى وقلة المعروض، واستغلال التجار وأصحاب البسطات الصغيرة للوضع الاقتصادي المتردي جداً القطاع، مع الغياب التام لأي سلطة على الأرض.
مساعدات محدودة و”مصائد موت” تحصد الأرواح
هذا وقد حذرت أكثر من 100 منظمة إغاثية عالمية تعمل على الأرض في غزة من المجاعة في غزة، وطالبت بحماية الأطفال من الجوع، من بينها “وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين” الأونروا، “أطباء بلا حدود” و”أنقذوا الأطفال”، و”أوكسفام”، وأشاروا أن المساعدات محدودة جداً وقليلة لا تكفي عدد 2 مليون غزواي في القطاع، ولا ترغب في الإبقاء على مصائد الموت في محور “نتساريم” و”موراج” في رفح، فهناك الكثير يموتون بسبب طلب الطعام من هناك.
وقد قال رئيس منظمة الصحة العالمية “تيدروس أدهانوم غيبرييسوس”، بأن غالبية سكان غزة يُعانون من الجوع، وأنا المجاعة في غزة على أشدها، وأردف”لا أعرف كيف يمكننا أن نسمي ذلك سوى أنه مجاعة جماعية، وهي من صنع الإنسان.
فلعدة أشهر بداية من مارس 2025 الماضي، وبعد العودة للحرب في غزة، إسرائيل قررت معاقبة الجميع بإغلاق المعابر ومنع الطعام من الدخول عبر المعابر الرئيسية مثل “كرم أبو سالم” أو”معبر رفح” أو “كيسوفيم” وغيرها من المعابر التي هي شريان الطعام للسكان في غزة، كل هذا فاقم من الأزمة وسبب في المجاعة في غزة، وموت الأطفال في غزة بسبب سوء التغذية.
بيانات صحيفة الـ غارديان
وقد قال دكتور الأطفال، مصعب فراونة، “على مدار ما يقرب من عامين، يعاني الأطفال في غزة من المجاعة، وحتى لو شعروا بالشبع في بعض الأيام، الأمر لا يتعلق فقط بالشبع، بل بالحصول على العناصر الغذائية التي يحتاجها الجسم، وهذه العناصر غائبة تماماً”.
في ظل المجاعة في غزة، فرضت إسرائيل حصاراً تاماً على غزة من الثاني من مارس، وعندما أعلن “بنيامين نتنياهو في 19 مايو 2025 رفع الحظر على دخول المساعدات بضغط من الدول والاتحاد الأوروبي، هذا الإعلان كان شكلي لإرضاء الحلفاء لا أكثر، ففي الحقيقة لم يٌرفع الحظر تماماً، بما يدخل إلى غزة من شاحنات المساعدات قليل جداً لا يكفي سوى لأيام قليلة، في حين أعلنت الحكومة الإسرائيلية خططاً لتوجيه كل المساعدات عبر منظمة أمريكية مدعومة تدير أربع نقاط توزيع عسكرية سرية، هي أشبه ما تكون بنقاط الموت المُحقق.
فقد قُتل المئات من الناس أثناء محاولتهم الحصول على الغذاء في مواقع يمكن وصفها بأنها “مصائد موت”، وكانت تلك المواقع توزع إمدادات تلبي جزءًا صغيرًا فقط من احتياجات غزة.
فأم “يوسف الخالدي”، وهي قصة من قصص أليمة في غزة، كانت تستعد لتجربة حظها في مركز توزيع تابع ل “مؤسسة غزة الإنسانية” الأمريكي الإسرائيلي للمرة الأولى، كانت قد تجنبت هذه المراكز لأشهر لأن أصغر أطفالها عمره عامان وأكبرهم يبلغ 13 سنة، وزوجها مشلول ومقيد بكرسي متحرك، فقد قالت:
“لقد كنا نخمد جوعنا بالماء مع الملج” وأضافت: “خوفي على عائلتي أكبر من خوفي على نفسي، أخشى أن يحدث لي شيء سيئ، وأتركهم بلا أحد يعتني بهم.”، فلهذا قررت الذهاب لتجربة حظى مع مساعدات الموت أملاً في الحصول على طحين أو سكر أو أي شىء يسد رمق أسرتها المكلومة والجائعة.
وأردفت: “كان أطفالي متفوقين قبل بدء الحرب، يفوزون دائماً بمنح دراسية، أما الآن، فيقضون أيامهم جالسين على حافة الشارع تحت مسجد مدمر في حي الوحدة في قلب مدينة غزة، حيث تحاول الفتيات بيع أساور بدلاً من التسول فقط أو الشحتة”.