أصدر رئيس الجمهورية الجزائرية عبد المجيد تبون مرسومًا رئاسيًا يقضي بانضمام الجزائر رسميًا إلى اتفاقية لاهاي المؤرخة في 5 أكتوبر 1961، والمتعلقة إلغاء التصديق القنصلي على الوثائق العمومية الأجنبية، المعروفة اختصارًا باسم “اتفاقية الأبوستيل”.
ويُمثل هذا القرار خطوة قانونية وإدارية مهمة من شأنها تبسيط الإجراءات الخاصة بالوثائق الرسمية المتبادلة بين الجزائر والدول الأخرى الموقعة على الاتفاقية.
خلفية وأهدافها اتفاقية إلغاء التصديق القنصلي على الوثائق الرسمية الأجنبية
وُقعت اتفاقية لاهاي عام 1961 في إطار “مؤتمر لاهاي للقانون الدولي الخاص”، وجاءت لتسهيل حركة الأفراد والوثائق عبر الحدود الدولية، خصوصًا في ما يتعلق بالمصادقة على المستندات الرسمية.
ففي السابق، كانت أي وثيقة صادرة في بلد معيّن تتطلب سلسلة طويلة من التصديقات تبدأ من وزارة الخارجية في البلد الأصلي مرورًا بسفارة الدولة المستقبلة أو قنصليتها. لكن الاتفاقية وضعت حدًا لهذه الإجراءات المعقدة، واكتفت بـ شهادة واحدة تعرف بـ”الأبوستيل”، تُثبت صحة التوقيع والصفة الرسمية للجهة الموقّعة.
ما هو التصديق الدبلوماسي أو القنصلي؟
في المفهوم التقليدي، التصديق هو إجراء شكلي يقوم به الأعوان الدبلوماسيون أو القنصليون لإثبات:
صحة التوقيع،
صفة صاحب التوقيع على الوثيقة،
هوية الختم أو الطابع الذي تحمله الوثيقة.
هذه العملية كانت تستغرق وقتًا طويلاً وتفرض أعباء مالية وإدارية على الأفراد والمؤسسات، خاصة بالنسبة للجالية الجزائرية المقيمة بالخارج.
الوثائق المشمولة بالاتفاقية
تشمل الاتفاقية فئات متعددة من الوثائق العمومية، أبرزها:
الوثائق القضائية بما في ذلك الصادرة عن المحاكم والنيابة العامة وكتاب الضبط والمحضرين القضائيين.
الوثائق الإدارية بمختلف أنواعها.
العقود التوثيقية.
البيانات الرسمية مثل سجلات التسجيل والتأشيرات محددة الأجل والمصادقات على التوقيع.
في المقابل، لا تسري أحكام الاتفاقية على الوثائق التي يحرّرها الأعوان الدبلوماسيون أو القنصليون، ولا على الوثائق الإدارية المتعلقة مباشرة بعمليات تجارية أو جمركية.
“الأبوستيل”: الإجراء الوحيد المطلوب
بموجب هذه الاتفاقية، يصبح وضع شهادة الأبوستيل هو الإجراء الشكلي الوحيد المطلوب لإثبات صحة الوثائق. وتُثبت هذه الشهادة صحة التوقيع وصفة الموقع والجهة التي أصدرت الوثيقة، وهو ما يُغني عن أي تصديق إضافي من السفارات أو القنصليات.
وتتميز شهادة الأبوستيل بشكلها الموحّد عالميًا، إذ تكون ملصقة على الوثيقة أو مرفقة بها، وتحمل ختمًا معتمدًا يتيح التعرف عليها بسهولة في أي دولة عضو.
دخول الاتفاقية حيز التنفيذ في الجزائر
من الناحية القانونية، ستدخل الاتفاقية حيّز التنفيذ بالنسبة للجزائر بعد 60 يومًا من تاريخ إيداع وثيقة الانضمام لدى وزارة الخارجية الهولندية، وهي الجهة الوديعة لاتفاقية لاهاي. وهذا يعني أن المواطنين الجزائريين، سواء داخل البلاد أو في الخارج، سيتمكنون بعد هذه المدة من الاستفادة من الإجراء المبسّط دون المرور بالمسار القديم للتصديق.
أهمية الانضمام للجالية الجزائرية في الخارج
يُعتبر هذا التطور مكسبًا كبيرًا للجالية الجزائرية المنتشرة في أوروبا وأمريكا الشمالية ودول الخليج، حيث تُعد مسألة توثيق الوثائق الرسمية من أبرز العراقيل التي يواجهونها.
في مجال التعليم: الطلاب الجزائريون الراغبون في استكمال دراستهم بالخارج كانوا يضطرون لتصديق شهاداتهم التعليمية والأكاديمية من عدة جهات، وهو ما كان يستغرق وقتًا طويلاً.
في مجال العمل: الموظفون والمهنيون يحتاجون إلى تصديق عقود العمل والشهادات المهنية، الأمر الذي سيصبح أسهل بعد تطبيق الأبوستيل.
في مجال الأحوال الشخصية: الزواج، الطلاق، الميلاد والوفاة وثائق يحتاجها أفراد الجالية لإثباتها في الخارج، وستُعفى من مسار التصديقات الطويلة.
الجزائر والاندماج في المنظومة الدولية
بانضمامها إلى هذه الاتفاقية، تلتحق الجزائر بأكثر من 120 دولة عضو اعتمدت نظام الأبوستيل، ما ينسجم مع توجهها نحو تحديث المنظومة القانونية والإدارية وتبسيط الإجراءات لمواطنيها.
كما أن هذه الخطوة تأتي في إطار تعزيز الشفافية وتسهيل الخدمات، وهو ما يتماشى مع الإصلاحات التي يقودها الرئيس عبد المجيد تبون لتقريب الإدارة من المواطن، سواء داخل الوطن أو خارجه.
