برامج تقاعد واستثمار اختيارية للمقيمين في قطر..!؟

تُعد قضية التحويلات المالية الخارجية للمقيمين واحدة من أكثر الملفات الاقتصادية إثارة للجدل في دول الخليج بشكل عام، وفي قطر بشكل خاص، وبينما تتعالى بعض الأصوات المطالبة بفرض ضرائب على هذه التحويلات لتقليل خروج السيولة، يطرح المؤثر القطري “عبد الله الملا” رؤية مغايرة تماماً، رؤية لا تقوم على “الجباية” بل على “الجذب”، وذلك عن طريق تشجيع الادخار والاستثمار المحلي من خلال برامج تقاعد واستثمار اختيارية، مستوحاة من تجارب عالمية ناجحة مثل النظام البريطاني “Pension” والنظام التركي “BES”، فبدلاً من معاقبة المدخرين، لماذا لا نحولهم إلى مستثمرين يساهمون في نمو الاقتصاد الوطني؟

حجم التحويلات المالية السنوية خارج قطر

وفقاً لبيانات مصرف قطر المركزي لعام 2025، تُظهر البيانات الاقتصادية أن حجم التحويلات المالية الخارجة من قطر يُعد من الأكبر في المنطقة، نتيجة اعتماد السوق على العمالة الوافدة التي تشكل نسبة كبيرة من السكان والقوى العاملة.

ووفق بيانات حديثة، ارتفعت تحويلات العاملين من قطر إلى الخارج خلال عام 2025 إلى نحو 43.3 مليار ريال قطري (أي ما يٌقارب من 11 مليار دولار)، مقارنة بحوالي 41.4 مليار ريال في 2024، ما يعكس استمرار تدفق مليارات الريالات سنويًا إلى خارج الاقتصاد المحلي، وفقاً لبيانات ميزان المدفوعات.

هذه المبالغ الضخمة، التي تذهب غالبيتها لدعم عائلات المقيمين أو للادخار في بلدانهم الأم، تمثل قوة شرائية وسيولة استثمارية يفتقدها السوق المحلي في قطر والخليج، وإن استنزاف هذه الأموال سنوياً يعني تفويت فرص ذهبية لتنشيط البورصة القطرية والقطاع العقاري والبنكي.

كما وتُقدَّر التحويلات المالية الخارجة من دول الخليج بعشرات المليارات سنويا، وتُعد قطر من الدول التي تشهد حركة تحويلات مرتفعة نتيجة أعداد المقيمين العاملين في مختلف القطاعات الحيوية داخل البلاد ومردها الازدهار الكبير في الدوحة والتقدم الاقتصادي، ورغم أن هذه التحويلات تمثل حقًا طبيعيًا للعمالة الوافدة، فإن جزءا كبيرا من هذه الأموال يخرج من الدورة الاقتصادية المحلية بشكل دائم.

وهنا يظهر التساؤل الاقتصادي المهم على لسان المؤثر “عبد الله الملا على حسابه في “إكس”: كيف يمكن خلق بيئة تجعل جزءًا من هذه الأموال يبقى داخل الاقتصاد المحلي بطريقة مفيدة للطرفين؟

لماذا يرفض البعض فكرة فرض الضرائب؟

يرى عدد من الاقتصاديين ورواد الأعمال أن فرض ضرائب على التحويلات الخارجية قد لا يكون الحل الأفضل، خاصة في بيئة تعتمد على الانفتاح الاقتصادي وجذب الكفاءات والعمالة الماهرة للبلاد، فزيادة الأعباء المالية قد تدفع بعض المقيمين إلى تقليل الإنفاق المحلي أو البحث عن أسواق عمل أخرى.

وبدلًا من ذلك، يفضّل البعض تقديم حوافز تشجع الأفراد على الادخار والاستثمار طواعية، وهو ما أشار إليه “عبد الله الملا” في طرحه عبر منصة إكس.

نظام الادخار التقاعدي الاختياري

يقترح الملا تبني نماذج عالمية ناجحة، مثل نظام “Pension” في بريطانيا أو “BES” في تركيا، وتعتمد الفكرة على إنشاء صناديق استثمارية تقاعدية اختيارية تتيح للمقيم والمواطن وضع مبالغ شهرية مقابل حوافز حكومية مجزية، وتتمثل ملامح هذا المقترح في:

  • الدعم الحكومي المباشر: تساهم الدولة بإضافة نسبة دعم على المبلغ المدخر، قد تصل إلى نحو 25% ضمن سقف سنوي محدد، ما يشجع الأفراد على الاستمرار في الادخار لسنوات طويلة.
  • الاستثمار طويل الأمد: تُضخ هذه الأموال في سوق الأسهم والصناديق الاستثمارية المحلية.
  • الأمان الاجتماعي والتقاعد: تتحول هذه الادخارات إلى راتب تقاعدي بعد سن الـ 55، أو تأمين شرعي للورثة، مما يمنح المقيم شعوراً بالاستقرار، وفقاً لمقترح “عبد الله الملا”.

كيف نجحت التجربة في دول أخرى؟

طبقت عدة دول برامج مشابهة حققت نتائج اقتصادية إيجابية، من أبرزها:

  • المملكة المتحدة عبر أنظمة التقاعد والاستثمار المعروفة باسم Pension.
  • تركيا من خلال نظام BES الذي يشجع الأفراد على الادخار طويل الأجل بدعم حكومي.

وقد ساهمت هذه الأنظمة التركية والبريطانية في:

  • رفع معدلات الادخار الفردي.
  • زيادة السيولة في الأسواق المالية.
  • دعم الاستثمارات المحلية.
  • خلق استقرار مالي طويل الأجل للأفراد.

كيف يمكن أن تستفيد قطر من هذه الفكرة؟

في حال تطبيق نموذج مشابه داخل قطر، فقد يحقق عدة فوائد اقتصادية واجتماعية، منها:

  • تعزيز الأسواق المالية المحلية وذلك ببقاء جزء من الأموال داخل الدولة يعني دخول سيولة إضافية إلى صناديق الاستثمار والبورصة والمشاريع المحلية.
  • تشجيع ثقافة الادخار، فمع وجود دعم حكومي أو حوافز استثمارية قد يدفع حتى أصحاب الدخل المتوسط والبسيط إلى الادخار المنتظم.
  • توفير دخل تقاعدي للمقيمين، فالكثير من العمالة الوافدة لا تمتلك أنظمة تقاعد مستقرة، وبالتالي يمكن لمثل هذه البرامج أن توفر أمانًا ماليًا مستقبليًا.
  • تعزيز عمق السوق المالي، وذلك عبر ضخ سيولة جديدة في بورصة قطر مما يزيد من استقرارها ونموها.
  • تقليل خروج الأموال بشكل كامل، فبدل من أن تغادر جميع الأموال إلى الخارج، سيبقى جزء منها داخل الاقتصاد ليستفيد منه الجميع (مقيم ومواطن) وجميع الفئات.
  • تقليل الضغط على العملة الصعبة، وذلك من عبر الحد من الطلب المستمر على تحويل الريال إلى عملات أجنبية للخارج.

باختصار، سيتم تحويل المقيم من “مودع مؤقت” إلى “مستثمر شريك” يحقق جملة من الفوائد الاقتصادية التي تعود بمكاسب على الاقتصاد الوطني القطري والخليجي في حال تطبيقه في بلدان مجلس التعاون الخليجي.

بين الاستثمار والضرائب.. أيهما أكثر فاعلية؟

يرى مراقبون أن بناء بيئة اقتصادية جاذبة للاستثمار والادخار قد يكون أكثر استدامة من فرض رسوم أو ضرائب مباشرة على التحويلات المالية، خاصة في الاقتصادات التي تعتمد على التنوع والانفتاح وجذب المواهب.

فإن خلق بيئة مشجعة للادخار والاستثمار (كما دعا عبد الله الملا) هو الحل المستدام الذي يجعل من قطر مركزاً مالياً ليس فقط للأعمال، بل وللأمان المالي الشخصي لكل من يعيش على أرضها، فإن الهدف هو جعل الأموال “تستقر” لا أن “تهاجر” لتستفيد منها دول أخرى.

فحين يشعر المقيم أو المواطن بأن أمواله تنمو وتحصل على دعم أو عوائد مستقبلية، يصبح الاحتفاظ بجزء منها داخل الدولة قرارا اقتصاديا منطقيا ومسؤولاً، وليس مجرد التزام مفروض، فالفائدة للجميع.

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

إعدادات التنبيهات

دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
Exit mobile version