غزة.. بداية أسبوع هادئة بدون قصف منذ 730 يومًا من الحرب

أنا، وكثيرون غيري ممن يعيشون في قطاع غزة، استيقظنا صباح السبت 11 أكتوبر على هدوء لم نراه منذ أكثر من عامين كاملين من الحرب على غزة أي (730) يوماً، هدوء تام بلا قصف للمدفعيات على الحدود الشرقية ولا إنفجارات زلزالية تُحرك مكتبي الذي أعمل منه، عدا صوت “الزنانات التي تحوم في السماء”، فقد كان الصباح مُختلفاً تماماً بكل تفاصيله، فهذا الهدوء الاستثنائي جاء بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل حيز التنفيذ بناء على “خطة ترامب للسلام” ورعاية قطرية، مصرية، تركية للمفاوضات التي جرت في “شرم الشيخ”.

هدوء غير مسبوق بعد عامين من القصف

نعم، إنها المرة الأولى التي أستيقظ فيها بدون أصوات القذائف والمدفعيات التي تسقط على بيوت الآمنين في غزة وعلى الأراضي الفارغة، وبدون أصوت مُحركات الطائرات النفاثة (F35) الخارقة للصوت والتي أرعب صوتها وصوت قذائقها طفلتي وأطفال غزة جمعيهم.

فالمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023 من “طوفان الأقصى”، مرّ يومٌ كامل من دون أن تُسجَّل غارة إسرائيلية واحدة على القطاع، كان الهدوء ثقيلاً في بدايته، وكأن سكان غزة لا يزالون غير مصدقين (وأنا منهم) أن صوت الطائرات غاب أخيرًا، وأصوات الصواريخ الضخمة التي تسقط على المباني لم تعد تزهق الأرواح.

فمن يعيش في غزة يعرف جيدًا معنى أن يمر يوم كامل دون أصوات الانفجارات أو الطائرات الحربية التي لم تغادر سماء المدينة منذ عامين متواصلين، هذا الصباح كان مختلفًا تمامًا، كأن المدينة (شمالها ووسطها وجنوبها) بأكملها تتعلم من جديد كيف تصغي لصوت بحر غزة، وهدير الموج الذي كان يختفي تحت ضجيج القصف.

يكفي أن أقول لك ولغيرك ممن يجلسون على شاشات الهواتف الذكية، أن طفلتي الصغيرة لم تعد تستيقظ ليلاً على هدير مُحرك الطائرات النفاثة، ولا على أصوات الزنانات المرعبة والمُزعجة عند النوم، ولا على صوت مروحات الطائرات بدون طيار “الكابتر” التي تسير بالقرب من نوافذ منزلي ومنازل الآمن وخيام النازحين المُشردين في الشوارع لتجمع المعلومات وتلتقط الصور وفي كثير من الأحيان ترمي القنابل لتسقط الشهداء بالجملة.

فرحة بعودة الحياة في غزة

قصص مؤثرة من غزة

بعد سريان وقف إطلاق النار، وعودة النازحين لبيوتهم المُدمرة، ظهرت قصص كثيرة عكست المُعاناة والوجع في قلوب الغزيين، فقد تجولتُ بين أحياء أطراف مخيم “جباليا” المُدمر تدميراً شبه تام، ما لفت الانتباه هو عائلة تقف أمام منزلهم المدمر بالكامل، يحاولون التعرف على أي شيء يمكن إنقاذه، وكانت دموع الأسرة مختلطة بابتسامة طفيفة حين عادت إلى صخب الحياة بعد صمت طويل.

أما في حي “الشيخ رضوان”، فقد شاهدنا أطفالًا يلعبون بين الركام وآخرون يُحاولون التعرف على بيوتهم بعد التدمير الجزئي أو الكلي لها، بينما بدأ بعض الباعة المحليين في إعادة فتح محلاتهم الصغيرة و”بسطتاهم” المتواضعة، يفرشون ما يُمكن بيعه على الأرصفة بفرح وقلق من المجهول، وكان سكان الحي يتبادلون التحية وآخر الأخبار آملين في صمود الاتفاق وعدم غدر إسرائيل، فهم يحاولون قد المستطاع في استعادة جزء من الروتين اليومي الذي سُرق منهم منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023.

وفي مخيم الشاطئ الذي خرج منه الكثير من الفلسطنيون بعد حملة “عربات جدعون 2” الأخيرة، لاحظت عائلات نازحة عادت إلى بيوتها لتتفقد ما تبقى من أثاثها وممتلكاتها، والأطفال يضحكون مجددًا، والنساء يتبادلن الحديث عن الأمل في استمرار الهدنة، بينما يسود الحذر والقلق من أي تصعيد جديد، فالوجع كبير والأمل في الله كبير.

قد يهمك أن تقرأ: دوحة 24 يوثّق تفاعل سكان غزة مع حملة الاعتقالات التي طالت “أسطول الصمود”

عودة الحياة في غزة .. بداية التنفس

بعد 730 يومًا من الحرب (عامان كاملين)، عاد الناس ليسيروا في الشوارع دون خوف، بعضهم وقف مذهولًا أمام الركام، وآخرون التقطوا صورًا لبدايات عودة الحياة، الأطفال الذين اعتادوا النوم على أصوات الانفجارات خرجوا للعب، وكأنهم يحتفلون بانتصار الهدوء على الدمار والخراب والتدمير.

في أسواق غزة، وعلى الرغم من كميات ركام المنازل الرهيبة التي في الشوارع، بدأت الحركة تدب ببطء؛ باعة الخضار فرشوا صناديقهم على الأرصفة، ورائحة الخبز الطازج عادت تعبق من بعض المخابز التي فتحت أبوابها لأول مرة منذ شهور طويلة من التجويع الممنهج، وعادت محطات المياه في غزة ورفح وخان يونس وغيرها من مناطق غزة المدمرة بالعودة تدريجياً للحياة.

إلا أن غاز الطهي والمحروقات لم تدخل القطاع حتى اللحظة، فهي الملاذ لطهي الأكل بعيداً عن رائحة البلاستيك والحطب (الخشب) الذي كنا نستخدمه وما زلنا في تسخين الماء وعمل الشاي وطهي الطعام، هذا ناهيك عن سعره الخيالي، فكل شىء مُدمر ويحتاج إلى ترميم، حتى أنفسنا باتت تحتاج إلى ترميم وتنفس طبيعي.

غزة تنهض من تحت الركام وتتنفس من جديد

في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، غزة تبدو وكأنها تستعيد أنفاسها بعد غيبوبة طويلة دامت لأكثر من (730) يوماً يا عالم، فالمحلات فتحت أبوابها ولو بخجل، والطرقات امتلأت بالناس العائدين إلى بيوتهم خاصة النازحين منهم من قلب غزة، فعلى رغم الدمار المحيط بكل زاوية وفي كل الزوايا، الأطفال ركضوا في الأزقة الضيقة، والابتسامات عادت تتسلل بين وجوه أنهكها الخوف والرعب الشديدين، كانت تلك اللحظات بمثابة بداية تنفس جديدة لغزتنا التي أنهكتها الحرب لكنها ما زالت تنبض بالحياة والأمل وفي أن فرج الله قريب.

نفسياً، الحياة في غزة عادت من جديد، وبدت علامات الارتياح على الوجوه رغم الحزن المُتراكم وفقدان الأعزة، والخوف من الغدر الإسرائيلي، فالغزيون تعلموا خلال الحرب أن أي لحظة سلام مؤقتة تستحق أن تُعاش بكل تفاصيلها، ولو كانت مؤقتة وقصيرة.

وفي المساء، ما زلنا نعيش في الظلام الدامس بدون كهرباء، إلا أن أصوات القصف من الصواريخ والمدافع هي التي فارقتنا ولو بعد حين، فهي لحظة نادرة في مدينة أنهكتها الحرب على مدار العامين منذ ال7 من أكتوبر، ولكنها لم تفقد الأمل في الحياة.

قد يهمك أن تقرأ: عامان من الدمار والمجاعة.. غزة تحصي جراحها في الحرب الأطول بتاريخها

تفاؤل حذر ومستقبل مجهول

على الرغم من الهدوء النسبي في قطاع غزة، إلا أن السكان في قطاع غزة (وأنا منهم)، نعيش حياة الترقب والحذر من المجهول، فغدر الاحتلال الإسرائيلي موجود وممكن في أ] وقت، حيث من الممكن أن تنهار الهدنة ووقف إطلاق النار في أي وقت كما حدث في اتفاق يناير 2025 الماضي، فقد عادت إسرائيل للقتل والتدمير في مارس 2025 لتضرب بعرض الحائط الاتفاق بينها وبين حماس وطالب بإطلاق الأسرى فوراً.

باختصار، المشاعر متناقضة بين الأمل والخوف، فالغزيون، الذين ذاقوا مرارة الحرب عامين كاملين من الحرب (730 يومًا)، يعيشون اليوم حالة من الارتياح المؤقت ممزوجة بالقلق الشديد من أن يكون هذا الهدوء مجرد استراحة قبل جولة جديدة من العنف.

“وقد رصدت عدسة موقع “دوحة 24″ هذا الحذر، فالكثير من الغزيون في القطاع عبروا عن ارتياحهم وفرحتهم بالاتفاق الأخير، إلا أن الكثير منهم مُرتاب وخائف من المجهول وخاصة بعد تسليم الأسرى الأحياء (20 أسيراً)، فالكثير يتوقع غدر إسرائيلي مفاجىء بعد التسليم فوراً، وهذا ما تخشاه حماس أصلاً، فالكثير من المواطنين بغزة يتمنون من أن لا يتم الغدر بهم، وأن لا تعود الحرب، وأن يتنفسوا الهدوء والأمان بعد سنوات من الصراع والقتل والتدمير”

الحياة في غزة

قد يهمك أن تقرأ: أهالي غزة لـ دوحة 24: لا نثق باتفاقيات إسرائيل ونخشى غدرها

تبادل أسرى ومساعدات إنسانية وهدوء

ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ، بعد مفاوضات “شرم الشيخ”، ينتظر غزة الكثير من الملفات الحساسة التي لها علاقة باستمرار وقف النار والإبادة، أبرزها تبادل الأسرى الفلسطنيون والمساعدات الإنسانية وفتح معبر رفح وهو الشريان الحيوي الوحيد للخروج إلى العالم.

فضمن الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار في غزة الذي تم التوصل إليه في 8 أكتوبر 2025 الجاري، وبحسب بنود “خطة ترامب” الجديدة، تم اعتماد صفقة تبادل أسرى موسّعة تعدّ الأكبر منذ سنوات بين إسرائيل وحركة حماس.

ضمن القائمة النهائية للأسرى الفلسطينيين الذين ستفرج عنهم إسرائيل في المرحلة الأولى التي تم التوقيع، ستضم 250 أسيرا فلسطينيًا محكومين بالسجن المؤبد، من بينهم 60 أسيرا من حركة حماس، بينما ينتمي الباقون إلى فصائل فلسطينية أخرى أبرزها الجهاد الإسلامي وفتح.

في حين أن حماس سوف تُلزم بإطلاق 20 أسيراً إسرائيلياً من أصل 48 أسيرًا إسرائيليًا في غزة، وذلك خلال 72 ساعة بداية من يوم السبت 11 أكتوبر 2025 من العام الجاري، على أن يكون الإطلاق يوم الإثنين 13 أكتوبر 2025.

الجدير ذكره، أنه وعلى الرغم من إصرار حماس، إلا أن قائمة الأسرى الفلسطنيون وخاصة من المحكومين بالمؤبدات، ستخلو من شخصيات مهمة، أبرزها:

  • مروان البرغوثي، وهو القيادي في حركة فتح والذي تم اعتقاله منذ العام 2002 ميلادية.
  • أحمد سعدات، وهو الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
  • حسن سلامة، أحد رموز العمل المسلح الفلسطيني، وهو من قائمة حركة حماس.

وغيرهم من الأسرى الخطيرين الذين تعتبرهم إسرائيل أسرى “خطا أحمر”، إضافة إلى أسرى الداخل من عرب 48.

قد يهمك أن تقرأ: وقف إطلاق النار في غزة .. ترامب يطالب إسرائيل بوقف القصف بعد موافقة حماس

خطة ترامب ومرحلة ما بعد الهدنة

يأتي هدوء بداية الأسبوع في غزة، وهو الهدوء الأول من نوعه منذ عامين، بعد اتفاق وقف إطلاق النار ضمن بنود خطة ترامب الأخيرة، والتي تهدف إلى وقف إطلاق النار والتهدئة الدائمة في غزة، مع فتح باب المفاوضات حول مواضيع حساسة مثل “اليوم التالي” في غزة، نزع سلاح حماس، وغيرها من مواضيع قد تشعل النار في الفتيل، إضافة إلى إطلاق مشاريع إعادة الإعمار في غزة بإشراف عربي ودولي.

وتتضمن الخطة “الترامبية” تعهدات أميركية بتمويل مشاريع البنية التحتية المدمرة جداً في قطاع غزة، مقابل التزام جميع الأطراف بعدم خرق الهدنة خلال الأشهر ال6 المقبلة، مع متابعة ميدانية من الأمم المتحدة ومن الدول الراعية والوسيطة في اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل.

For IOS and IPAD browsers, Install PWA using add to home screen in ios safari browser or add to dock option in macos safari browser

إعدادات التنبيهات

دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
دوحة24 سترسل لك تنبيهات وأخبار عاجلة لحظة وقوعها
هنيئا.. أصبحت جزءا من مجتمع دوحة24
Exit mobile version