فتحت السفارة المصرية في العاصمة القطرية الدوحة أبوابها عند الساعة التاسعة من صباح الجمعة 1 أغسطس 2025، لاستقبال أفراد الجالية المصرية الراغبين في الإدلاء بأصواتهم في انتخابات مجلس الشيوخ 2025، وسط استعدادات لوجستية وأمنية مكثفة، وتفاعل لافت من الجالية التي تمثل واحدة من أكبر الجاليات العربية في قطر.
المشهد أمام السفارة بدا منظماً، حيث وُضعت اللافتات الإرشادية، وانتشر موظفو السفارة لتوجيه الناخبين. وقد أفادت مصادر بالسفارة بأن عملية التصويت تمت بسلاسة دون تسجيل أي مخالفات، وسط توافد مستمر للناخبين من مختلف الفئات العمرية.
المشاركة من الخارج.. ركيزة في شرعية المؤسسات
تمثل مشاركة المصريين بالخارج في الانتخابات البرلمانية استحقاقاً سياسياً بالغ الأهمية، ليس فقط لأنها تعكس مدى ارتباط الجاليات المغتربة بالشأن الداخلي، ولكن أيضاً لأنها تمنح شرعية إضافية للمؤسسات المنتخبة. وتأتي هذه الانتخابات في وقت تسعى فيه الدولة المصرية إلى تعزيز أدوات المشاركة الديمقراطية، وتحسين صورة الحياة النيابية داخلياً وخارجياً.
وقد أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات عن فتح أكثر من 100 بعثة دبلوماسية مصرية حول العالم أبوابها لاستقبال المواطنين يومي الجمعة والسبت، في خطوة تؤكد سعي القاهرة لدمج مواطنيها في الخارج بشكل فعال في المشهد السياسي الوطني.
السفارات تتحول إلى مراكز تعبئة وطنية
قبل أيام من التصويت، نشطت السفارات المصرية عبر حساباتها على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث نشرت دعوات رسمية وفيديوهات توعوية من الهيئة الوطنية للانتخابات، لحث المواطنين على المشاركة. وركزت الرسائل الإعلامية على أن التصويت واجب وطني، وأن صوت كل مصري، في الداخل أو الخارج، يصنع الفارق في تشكيل المستقبل السياسي للبلاد.
وفي قطر، لاقت هذه الحملات تفاعلاً لافتاً، لا سيما بين فئة الشباب، الذين يمثلون شريحة كبيرة من أبناء الجالية. وقد أشار عدد من المشاركين إلى أهمية هذه المبادرة، معربين عن شعورهم بالمسؤولية تجاه المساهمة في بناء الوطن حتى وهم في الغربة.
قراءة في نسب المشاركة.. من التمثيل الرمزي إلى التأثير الفعلي
يطرح ملف مشاركة المصريين بالخارج في الانتخابات تساؤلات حول مدى تأثير أصواتهم على النتائج النهائية. ففي انتخابات سابقة، كانت نسبة مشاركتهم متواضعة مقارنة بعدد المصريين بالخارج الذي يُقدّر بأكثر من 10 ملايين. غير أن الاتجاه العام يشير إلى ارتفاع الوعي السياسي، خاصة مع تحسن آليات التصويت خارج مصر، مثل الاعتماد على القوائم الإلكترونية، وتسهيل إجراءات التسجيل.
في هذا السياق، يقول الباحث في الشأن الانتخابي محمد عبد الكريم إن “الرهان على الجاليات المصرية في الخارج يتجاوز عدد الأصوات إلى ما تمثله المشاركة من بعد معنوي ورمزي مهم، فكل عملية اقتراع في الخارج هي رسالة بحد ذاتها تؤكد وحدة الجسد السياسي للدولة، رغم الجغرافيا”.
تحديات المشاركة.. بين الحماسة والقيود
رغم الجهود الرسمية، ما زالت بعض التحديات تحول دون مشاركة أوسع للمصريين في الخارج. من أبرزها ضيق الوقت المخصص للتصويت، وبعد مقار السفارات عن أماكن سكن الجالية، فضلاً عن ارتباطات العمل التي قد تمنع البعض من الحضور. كما أن غياب آلية التصويت الإلكتروني أو البريدي، يجعل الاعتماد شبه الكامل على الحضور الفعلي في السفارات.
وفي حالة قطر، ورغم الإقبال، أفاد بعض الناخبين أنهم اضطروا لتعديل جداول أعمالهم للوصول في الوقت المناسب، خاصة مع ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، وهو ما يطرح تساؤلات عن ضرورة تسهيل الإجراءات في المستقبل.
مجلس الشيوخ.. دوره وأهميته
تُعد انتخابات مجلس الشيوخ 2025 ثاني تجربة من نوعها بعد إعادة تشكيل هذا المجلس في ضوء التعديلات الدستورية الأخيرة، التي أعادت له مكانته باعتباره الغرفة الثانية للبرلمان، المختصة بدراسة التشريعات المحالة إليه، ومراجعة الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وتقديم الاستشارات في قضايا السياسات العامة.
ويأتي هذا الاستحقاق وسط توقعات بإعادة تشكيل المشهد الحزبي في المجلس، مع مشاركة عدد كبير من الأحزاب السياسية والمستقلين في التنافس، ما يعزز طابع التنوع والتمثيل السياسي.
التصويت في الخارج نافذة للانخراط المدني
تؤكد مشاركة المصريين في قطر في انتخابات مجلس الشيوخ على أن المواطن، وإن ابتعد عن وطنه جغرافياً، ما زال حاضراً سياسياً. هذه المشاركة تفتح باباً واسعاً أمام دور متنامٍ للجاليات في صياغة ملامح المشهد السياسي المصري، وتدفع باتجاه مطالبة الدولة بتحسين آليات الدمج السياسي للمصريين في الخارج، بما يعزز من دورهم كشركاء فاعلين في التنمية والديمقراطية.
