عاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، اليوم الأربعاء، إلى تهديد حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، في تصريحات جديدة أثارت جدلاً واسعًا، وذلك على هامش دفاعه عن إسرائيل التي تواصل ارتكاب المجازر في قطاع غزة، رغم اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 10 أكتوبر الجاري.
ترامب يهدد حماس مجددًا ويدافع عن الصهاينة
تصريحات ترامب: “إسرائيل لها الحق في الانتقام”
ونقلت وكالة رويترز عن ترامب قوله إن “إسرائيل لديها كل الحق في الانتقام”، مضيفًا أن “حركة حماس ليست سوى جزء صغير من اتفاق الشرق الأوسط”. وهدد ترامب الحركة الفلسطينية قائلاً: “سنقضي عليها إذا لم تتصرف بشكل صحيح”، وفق تعبيره، مؤكداً أن الاتفاق المدعوم من الولايات المتحدة ما زال قائماً رغم استمرار الضربات الإسرائيلية التي أسفرت عن عشرات الشهداء والمصابين.
وقال ترامب:
“لن يهدد أي شيء وقف إطلاق النار في غزة.. لقد قتلوا جندياً إسرائيلياً، ولذلك ردّ الإسرائيليون، وكان ينبغي أن يردّوا، وعندما يحدث ذلك يجب أن يردّوا”.
125 خرقًا لاتفاق وقف إطلاق النار منذ 10 أكتوبر
وفي المقابل، أكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، في بيان له الثلاثاء 28 أكتوبر، أن جيش الاحتلال الإسرائيلي ارتكب 125 خرقاً لاتفاق وقف إطلاق النار منذ بدء سريانه، ما أسفر عن استشهاد 94 فلسطينياً وإصابة 344 آخرين.
وأشار البيان إلى أن الاحتلال يواصل خرق الاتفاق بشكل ممنهج وسافر، موضحًا أن من بين هذه الانتهاكات:
52 عملية إطلاق نار استهدفت مدنيين بشكل مباشر.
9 عمليات توغل لآليات الاحتلال داخل الأحياء السكنية، متجاوزًا ما يُعرف بـ”الخط الأصفر”.
55 عملية قصف واستهداف لمناطق مدنية.
11 عملية نسف لمبانٍ مأهولة.
اعتقال 21 فلسطينياً في مناطق مختلفة من القطاع.
ما هو “الخط الأصفر” في اتفاق وقف إطلاق النار؟
يُعد “الخط الأصفر” خط الانسحاب الأول المنصوص عليه في خطة ترامب، ضمن المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل. ويفصل هذا الخط بين المناطق التي يتمركز فيها جيش الاحتلال شرقاً، والمناطق المسموح للفلسطينيين بالتحرك داخلها غرباً.
وفي 10 أكتوبر، نفذ جيش الاحتلال انسحاباً جزئياً من مواقعه إلى مواقع جديدة داخل قطاع غزة شرق “الخط الأصفر”، وهو خط يغطي – بحسب تقديرات الجيش الإسرائيلي – أكثر من 50٪ من مساحة القطاع.
“الخط الأصفر” خط الانسحاب الأول المنصوص عليه في خطة ترامب
الاحتلال يستهدف المدنيين رغم الاتفاق
منذ سريان الاتفاق، نفّذ جيش الاحتلال عشرات الهجمات الجوية والمدفعية على أحياء سكنية في غزة، أسفرت عن دمار واسع في البنية التحتية ومنازل المدنيين، إضافة إلى عشرات الشهداء والجرحى. وأكد المكتب الإعلامي الحكومي أن هذه الخروقات تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وتضع الاحتلال في مواجهة مسؤولياته أمام المجتمع الدولي.
الاحتلال يستهدف المدنيين رغم الاتفاق
تحذيرات من انهيار الاتفاق
وحمل المكتب الإعلامي الحكومي الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن تداعيات الخروقات الأمنية والإنسانية، مشدداً على أن استمرارها يهدد بنسف الاتفاق بالكامل. كما دعا البيان الأمم المتحدة والمجتمع الدولي إلى التدخل العاجل لوقف هذه الانتهاكات، وضمان التزام إسرائيل ببنود الاتفاق ووقف استهداف المدنيين في القطاع.
أنا، وكثيرون غيري ممن يعيشون في قطاع غزة، استيقظنا صباح السبت 11 أكتوبر على هدوء لم نراه منذ أكثر من عامين كاملين من الحرب على غزة أي (730) يوماً، هدوء تام بلا قصف للمدفعيات على الحدود الشرقية ولا إنفجارات زلزالية تُحرك مكتبي الذي أعمل منه، عدا صوت “الزنانات التي تحوم في السماء”، فقد كان الصباح مُختلفاً تماماً بكل تفاصيله، فهذا الهدوء الاستثنائي جاء بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل حيز التنفيذ بناء على “خطة ترامب للسلام” ورعاية قطرية، مصرية، تركية للمفاوضات التي جرت في “شرم الشيخ”.
هدوء غير مسبوق بعد عامين من القصف
نعم، إنها المرة الأولى التي أستيقظ فيها بدون أصوات القذائف والمدفعيات التي تسقط على بيوت الآمنين في غزة وعلى الأراضي الفارغة، وبدون أصوت مُحركات الطائرات النفاثة (F35) الخارقة للصوت والتي أرعب صوتها وصوت قذائقها طفلتي وأطفال غزة جمعيهم.
فالمرة الأولى منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023 من “طوفان الأقصى”، مرّ يومٌ كامل من دون أن تُسجَّل غارة إسرائيلية واحدة على القطاع، كان الهدوء ثقيلاً في بدايته، وكأن سكان غزة لا يزالون غير مصدقين (وأنا منهم) أن صوت الطائرات غاب أخيرًا، وأصوات الصواريخ الضخمة التي تسقط على المباني لم تعد تزهق الأرواح.
فمن يعيش في غزة يعرف جيدًا معنى أن يمر يوم كامل دون أصوات الانفجارات أو الطائرات الحربية التي لم تغادر سماء المدينة منذ عامين متواصلين، هذا الصباح كان مختلفًا تمامًا، كأن المدينة (شمالها ووسطها وجنوبها) بأكملها تتعلم من جديد كيف تصغي لصوت بحر غزة، وهدير الموج الذي كان يختفي تحت ضجيج القصف.
يكفي أن أقول لك ولغيرك ممن يجلسون على شاشات الهواتف الذكية، أن طفلتي الصغيرة لم تعد تستيقظ ليلاً على هدير مُحرك الطائرات النفاثة، ولا على أصوات الزنانات المرعبة والمُزعجة عند النوم، ولا على صوت مروحات الطائرات بدون طيار “الكابتر” التي تسير بالقرب من نوافذ منزلي ومنازل الآمن وخيام النازحين المُشردين في الشوارع لتجمع المعلومات وتلتقط الصور وفي كثير من الأحيان ترمي القنابل لتسقط الشهداء بالجملة.
فرحة بعودة الحياة في غزة
قصص مؤثرة من غزة
بعد سريان وقف إطلاق النار، وعودة النازحين لبيوتهم المُدمرة، ظهرت قصص كثيرة عكست المُعاناة والوجع في قلوب الغزيين، فقد تجولتُ بين أحياء أطراف مخيم “جباليا” المُدمر تدميراً شبه تام، ما لفت الانتباه هو عائلة تقف أمام منزلهم المدمر بالكامل، يحاولون التعرف على أي شيء يمكن إنقاذه، وكانت دموع الأسرة مختلطة بابتسامة طفيفة حين عادت إلى صخب الحياة بعد صمت طويل.
أما في حي “الشيخ رضوان”، فقد شاهدنا أطفالًا يلعبون بين الركام وآخرون يُحاولون التعرف على بيوتهم بعد التدمير الجزئي أو الكلي لها، بينما بدأ بعض الباعة المحليين في إعادة فتح محلاتهم الصغيرة و”بسطتاهم” المتواضعة، يفرشون ما يُمكن بيعه على الأرصفة بفرح وقلق من المجهول، وكان سكان الحي يتبادلون التحية وآخر الأخبار آملين في صمود الاتفاق وعدم غدر إسرائيل، فهم يحاولون قد المستطاع في استعادة جزء من الروتين اليومي الذي سُرق منهم منذ بداية الحرب في السابع من أكتوبر 2023.
وفي مخيم الشاطئ الذي خرج منه الكثير من الفلسطنيون بعد حملة “عربات جدعون 2” الأخيرة، لاحظت عائلات نازحة عادت إلى بيوتها لتتفقد ما تبقى من أثاثها وممتلكاتها، والأطفال يضحكون مجددًا، والنساء يتبادلن الحديث عن الأمل في استمرار الهدنة، بينما يسود الحذر والقلق من أي تصعيد جديد، فالوجع كبير والأمل في الله كبير.
بعد 730 يومًا من الحرب (عامان كاملين)، عاد الناس ليسيروا في الشوارع دون خوف، بعضهم وقف مذهولًا أمام الركام، وآخرون التقطوا صورًا لبدايات عودة الحياة، الأطفال الذين اعتادوا النوم على أصوات الانفجارات خرجوا للعب، وكأنهم يحتفلون بانتصار الهدوء على الدمار والخراب والتدمير.
في أسواق غزة، وعلى الرغم من كميات ركام المنازل الرهيبة التي في الشوارع، بدأت الحركة تدب ببطء؛ باعة الخضار فرشوا صناديقهم على الأرصفة، ورائحة الخبز الطازج عادت تعبق من بعض المخابز التي فتحت أبوابها لأول مرة منذ شهور طويلة من التجويع الممنهج، وعادت محطات المياه في غزة ورفح وخان يونس وغيرها من مناطق غزة المدمرة بالعودة تدريجياً للحياة.
إلا أن غاز الطهي والمحروقات لم تدخل القطاع حتى اللحظة، فهي الملاذ لطهي الأكل بعيداً عن رائحة البلاستيك والحطب (الخشب) الذي كنا نستخدمه وما زلنا في تسخين الماء وعمل الشاي وطهي الطعام، هذا ناهيك عن سعره الخيالي، فكل شىء مُدمر ويحتاج إلى ترميم، حتى أنفسنا باتت تحتاج إلى ترميم وتنفس طبيعي.
غزة تنهض من تحت الركام وتتنفس من جديد
في اليوم الأول من وقف إطلاق النار، غزة تبدو وكأنها تستعيد أنفاسها بعد غيبوبة طويلة دامت لأكثر من (730) يوماً يا عالم، فالمحلات فتحت أبوابها ولو بخجل، والطرقات امتلأت بالناس العائدين إلى بيوتهم خاصة النازحين منهم من قلب غزة، فعلى رغم الدمار المحيط بكل زاوية وفي كل الزوايا، الأطفال ركضوا في الأزقة الضيقة، والابتسامات عادت تتسلل بين وجوه أنهكها الخوف والرعب الشديدين، كانت تلك اللحظات بمثابة بداية تنفس جديدة لغزتنا التي أنهكتها الحرب لكنها ما زالت تنبض بالحياة والأمل وفي أن فرج الله قريب.
نفسياً، الحياة في غزة عادت من جديد، وبدت علامات الارتياح على الوجوه رغم الحزن المُتراكم وفقدان الأعزة، والخوف من الغدر الإسرائيلي، فالغزيون تعلموا خلال الحرب أن أي لحظة سلام مؤقتة تستحق أن تُعاش بكل تفاصيلها، ولو كانت مؤقتة وقصيرة.
وفي المساء، ما زلنا نعيش في الظلام الدامس بدون كهرباء، إلا أن أصوات القصف من الصواريخ والمدافع هي التي فارقتنا ولو بعد حين، فهي لحظة نادرة في مدينة أنهكتها الحرب على مدار العامين منذ ال7 من أكتوبر، ولكنها لم تفقد الأمل في الحياة.
على الرغم من الهدوء النسبي في قطاع غزة، إلا أن السكان في قطاع غزة (وأنا منهم)، نعيش حياة الترقب والحذر من المجهول، فغدر الاحتلال الإسرائيلي موجود وممكن في أ] وقت، حيث من الممكن أن تنهار الهدنة ووقف إطلاق النار في أي وقت كما حدث في اتفاق يناير 2025 الماضي، فقد عادت إسرائيل للقتل والتدمير في مارس 2025 لتضرب بعرض الحائط الاتفاق بينها وبين حماس وطالب بإطلاق الأسرى فوراً.
باختصار، المشاعر متناقضة بين الأمل والخوف، فالغزيون، الذين ذاقوا مرارة الحرب عامين كاملين من الحرب (730 يومًا)، يعيشون اليوم حالة من الارتياح المؤقت ممزوجة بالقلق الشديد من أن يكون هذا الهدوء مجرد استراحة قبل جولة جديدة من العنف.
“وقد رصدت عدسة موقع “دوحة 24″ هذا الحذر، فالكثير من الغزيون في القطاع عبروا عن ارتياحهم وفرحتهم بالاتفاق الأخير، إلا أن الكثير منهم مُرتاب وخائف من المجهول وخاصة بعد تسليم الأسرى الأحياء (20 أسيراً)، فالكثير يتوقع غدر إسرائيلي مفاجىء بعد التسليم فوراً، وهذا ما تخشاه حماس أصلاً، فالكثير من المواطنين بغزة يتمنون من أن لا يتم الغدر بهم، وأن لا تعود الحرب، وأن يتنفسوا الهدوء والأمان بعد سنوات من الصراع والقتل والتدمير”
ومع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس حيز التنفيذ، بعد مفاوضات “شرم الشيخ”، ينتظر غزة الكثير من الملفات الحساسة التي لها علاقة باستمرار وقف النار والإبادة، أبرزها تبادل الأسرى الفلسطنيون والمساعدات الإنسانية وفتح معبر رفح وهو الشريان الحيوي الوحيد للخروج إلى العالم.
فضمن الاتفاق الأخير لوقف إطلاق النار في غزة الذي تم التوصل إليه في 8 أكتوبر 2025 الجاري، وبحسب بنود “خطة ترامب” الجديدة، تم اعتماد صفقة تبادل أسرى موسّعة تعدّ الأكبر منذ سنوات بين إسرائيل وحركة حماس.
ضمن القائمة النهائية للأسرى الفلسطينيين الذين ستفرج عنهم إسرائيل في المرحلة الأولى التي تم التوقيع، ستضم 250 أسيرا فلسطينيًا محكومين بالسجن المؤبد، من بينهم 60 أسيرا من حركة حماس، بينما ينتمي الباقون إلى فصائل فلسطينية أخرى أبرزها الجهاد الإسلامي وفتح.
في حين أن حماس سوف تُلزم بإطلاق 20 أسيراً إسرائيلياً من أصل 48 أسيرًا إسرائيليًا في غزة، وذلك خلال 72 ساعة بداية من يوم السبت 11 أكتوبر 2025 من العام الجاري، على أن يكون الإطلاق يوم الإثنين 13 أكتوبر 2025.
الجدير ذكره، أنه وعلى الرغم من إصرار حماس، إلا أن قائمة الأسرى الفلسطنيون وخاصة من المحكومين بالمؤبدات، ستخلو من شخصيات مهمة، أبرزها:
مروان البرغوثي، وهو القيادي في حركة فتح والذي تم اعتقاله منذ العام 2002 ميلادية.
أحمد سعدات، وهو الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين.
حسن سلامة، أحد رموز العمل المسلح الفلسطيني، وهو من قائمة حركة حماس.
وغيرهم من الأسرى الخطيرين الذين تعتبرهم إسرائيل أسرى “خطا أحمر”، إضافة إلى أسرى الداخل من عرب 48.
يأتي هدوء بداية الأسبوع في غزة، وهو الهدوء الأول من نوعه منذ عامين، بعد اتفاق وقف إطلاق النار ضمن بنود خطة ترامب الأخيرة، والتي تهدف إلى وقف إطلاق النار والتهدئة الدائمة في غزة، مع فتح باب المفاوضات حول مواضيع حساسة مثل “اليوم التالي” في غزة، نزع سلاح حماس، وغيرها من مواضيع قد تشعل النار في الفتيل، إضافة إلى إطلاق مشاريع إعادة الإعمار في غزة بإشراف عربي ودولي.
وتتضمن الخطة “الترامبية” تعهدات أميركية بتمويل مشاريع البنية التحتية المدمرة جداً في قطاع غزة، مقابل التزام جميع الأطراف بعدم خرق الهدنة خلال الأشهر ال6 المقبلة، مع متابعة ميدانية من الأمم المتحدة ومن الدول الراعية والوسيطة في اتفاق وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل.
منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة بين حماس وإسرائيل، شهد قطاع غزة موجة عودة للنازحين من المحافظات الجنوبية إلى غزة وشمالها وذلك بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ في يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025، والتي كانت من بين شروطه هو عودة النازحين إلى بيوتهم المُدمرة في قلب غزة وشمالها، وذلك بعد رحلة نزوح مريرة عاشها النازحون إلى محافظات الوسطى وخانيونس.
وتأتي هذه العودة ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي الحالي “ترامب”، التي هدفت إلى وقف الحرب، انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها، وإطلاق متبادل للأسرى، مع دعم دولي من مصر وتركيا وقطر تحت إشراف أمريكي.
فرحة عودة النازحين إلى شمال غزة وسط أنقاض المنازل
لليوم الثاني على التوالي، تتواصل عمليات عودة سكان قطاع غزة وشمالها بعد نزوح كبير إلى محافظات الوسطى (المغازي، البريج، النصيرات، الزوايدة، ودير البلح) ومواصي خانيونس في القطاع، وذلك بعد أجبر الاحتلال الإسرائيلي السكان على الخروج من منازلهم هرباً من الموت والدمار، وبسبب استمرار عملية “عربات جدعون 2″، والتي بسببها نزح أكثر من نصف مليون غزاوي من قلب غزة إلى مناطق إنسانية (على حسب وصف إسرائيل)، ولكن في الحقيقة كانت مكاناً للموت وللقهر بسبب عدم توفر مكان لمبيت الأطفال والنساء الذين اتخذوا الأرض مكاناً لهم والسماء لحافاً.
فقد بدأ آلاف من الفلسطنيين بالعودة إلى مناطق سكنهم بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط انتشار جديدة وفق الاتفاق ليتمركزوا عند “الخط الأصفر” الذي تم الاتفاق عليها وقف مفاوضات “شرم الشيخ”، وقد تمكن المواطنون من الانتقال من جنوب إلى شمال القطاع عبر “شارع الرشيد” عبر منطقة “تبة النويري” والطريق الساحلي “صلاح الدين” البري، وسط ظروف شاقة استمرت لساعات، سواء سيراً على الأقدام أو عبر المركبات القليلة المتوفرة، وعربات تجرها حيوانات ودراجات نارية.
وتعتبر العودة إلى المنازل ولو كانت مُدمرة بعد شهور من النزوح خطوة مهمة نحو استعادة الروتين اليومي وإحياء الحياة الاجتماعية والاقتصادية في شمال القطاع المُنهك والمُدمر تدميراً كاملاً، ويأمل السكان في غزة أن يسهم الاتفاق الأخير ضمن “خطة ترامب” في توفير الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى تسريع وصول المساعدات الإنسانية ودعم عمليات إعادة الإعمار، وهي محاور سيتم التفاوض عليها لاحقاً في المراحل القادمة بعد انتهاء المرحلة الأولى وتسليم الأسرى ال20.
وقد رصدت عدسة “دوحة 24” مشاهد عودة النازحين إلى شمال غزة، فقد فقد حزم آلاف النازحين أمتعتهم من أماكن النزوح المؤقتة في جنوب قطاع غزة ووسطه، وبدأوا في الانطلاق سيراً على الأقدام أو عبر عربات “الكارو” التي تجرها الحمار إلى مناطق سكناهم بمدنية غزة أو مناطق محافظة الشمال.
وفي مخيمات الوسط، هناك الكثير من الأسر الفلسطينية النازحة في محافظات ومخيمات الوسطي، أبرزها مخيم المغازي، البريج، النصيرات، وقرية الزوايدة، ودير البلح، وقد بدأوا في حزم الأمتعة الخاصة بهم وانطقوا بمركباتهم التي تعمل بزيت السيرج أو السولار الصناعي المحلي، للوصول إلى منازلهم التي دمرها الاحتلال بفعل الحملة العسكرية الأخيرة التي أكلت الأخضر واليابس ودمرت غالبية أبراج غزة مثل “برج المشهرواي” و”برج الغفري” وغيرها من المباني السكنية.
أيمن، وهو مهندس ومن سكان قطاع غزة، لم يغادر مدينة غزة طوال العامين الماضيين، رغم الحرب المدمرة التي شنها الجيش الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني، جيث يعيش أيمن في الجزء الغربي من المدينة بالقرب من البحر القريب من “مينا غزة” المُدمر، وقد فاضت مشاعره يوم الجمعة 10 أكتوبر بإعلان وقف إطلاق النار في غزة، وبدء عودة آلاف النازحين إلى شمال غزة، وقد قال متأثراً:
“الشوارع مليئة بالنازحين العائدين”، بينما كانت أصوات الأطفال وأبواق السيارات والكارات تملأ المكان بشكل ضخم وكبير”.
الدفاع المدني في غزة
هذا وقد أفاد الدفاع المدني في غزة أن أكثر من 250 ألف مواطن عادوا إلى شمال قطاع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أكتوبر 2025 الجاري، مشيراً إلى أن آلاف النازحين تمكنوا من العودة إلى مدينة غزة عبر شارع الرشيد الساحلي وطريق “صلاح الدين”.
وقد شهدت المنطقة، وخاصة في “تبة النويري القريبة من النصيرات، تحرك حشود ضخمة شمالاً نحو أكبر المدن في القطاع، والتي كانت قد تعرضت لهجوم إسرائيلي واسع أدى إلى ترحيل وتهجير سكانها خلال الشهور القليلة الماضية، في واحدة من أشرس عمليات الجيش خلال الحرب للضغط على حماس للتفاوض على إطلاق الأسرى.
كما ويواصل الدفاع المدني بغزة جهوده لضمان سلامة العائدين وتقديم الدعم اللازم لهم خلال هذه المرحلة الحساسة من العودة، والتي ستكون بداية للتأقلم مع الوضع الكارثي في المدينة المُنهكة والمدمرة من جميع نواحي الحياة.
واجهت الأسر العائدة من مناطق النزوح في جنوب قطاع غزة (الوسط والجنوب في خانيونس) تجربة مريرة خلال سنوات الحرب، حيث اضطر الكثيرون إلى العيش في أراضي مفتوحة بعيداً عن منازلهم ومصالحهم مُلتحفين السماء، ومع بدء العودة إلى شمال ووسط القطاع، يعيد السكان بناء حياتهم تدريجياً وسط مشاعر مختلطة بين الفرح والتفاؤل الحذر، مستذكرين معاناة النزوح والدمار الذي لحق بمنازلهم في النزوح الأول الذي استمر أكثر من 7 إلى 9 شهور الذي بدأ في منتصف الحرب.
ويأمل السكان في القطاع أن يتيح لهم وقف إطلاق النار والاتفاق الأخير بين حماس وإسرائيل، إستعادة حياتهم وإعادة الحياة الطبيعية، وإحياء ما تم تدميره ومسحه، وهي الحياة التي تأثرت جراء سنوات النزوح الطويلة والصعبة، والتي تكبد فيها الغزاوي الكثير من المخاسر النفسية والمادية، فقد عانى المواطن الغزاوي من آثار نفسية واجتماعية كبيرة نتيجة النزوح المتكرر، حيث أجبرتهم موجات الحرب والإبادة على ترك منازلهم عدة مرات خلال العامين الماضيين.
تأثير النزوح على الأطفال والأسرة
فقد عانى الأطفال في غزة من آثار نفسية عميقة نتيجة النزوح المتكرر والحرب المستمرة، فقد اضطر العديد منهم إلى مغادرة مدارسهم والابتعاد عن أصدقائهم ومناطق لعبهم، مما أدى إلى شعور دائم بالخوف والقلق وعدم الاستقرار النفسي، ويستمر تأثير هذه التجربة على نموهم الاجتماعي والعاطفي وعلى مستواهم التعليمي، حيث يصعب عليهم استعادة شعورهم بالأمان الذي فقدوه أثناء النزوح.
فقد تأثرت الأسر الفلسطينية بالنزوح القسري، إذ أُجبرت العائلات على ترك منازلها وممتلكاتها مرات متعددة خلال فترة الحرب التي استمرت عامين، وأدى هذا الوضع إلى تفكك الروابط الأسرية في بعض الحالات، وزيادة الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي لا تُوصف في حقيقة الأمر (فأنا جربتها بما أننا أسكن في غزة)، حيث اضطررنا للعيش في خيام للنازحين مؤقتة أنقاض المنازل أو في الأراضي المفتوحة، كما أثر النزوح على قدرة العائلات على تقديم الرعاية الكاملة للأطفال، ما زاد من المعاناة اليومية ومن إنتشار الأمراض بين الأطفال.
كل هذا وأكثر أدى إلى شعور دائم بالقلق والخوف، عند الكبار والصغار، بالإضافة إلى فقدان الأمان والاستقرار الأسري والعائلي، فقد أثر النزوح على الأطفال بشكل خاص، مما زاد من معاناتهم النفسية والتعليمية، بينما واجهت العائلات صعوبة توفير أبسط مقومات الحياة من أكل ومشرب وبيت دافىء، وإعادة بناء حياتهم بعد كل موجة نزوح.
ويأمل السكان أن يتيح اتفاق وقف إطلاق النار فرصة لوقف هذه الموجات المستمرة من النزوح، واستعادة حياة طبيعية وآمنة لهم ولأطفالهم، وأن يتم وقف الحرب بلا رجعة.
ضمن مفاوضات “شرم الشيخ” وخطة “ترامب” الأخيرة، فقد شهد قطاع غزة انسحابات جزئية للجيش الإسرائيلي في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، حيث انسحب الجيش حتى “الخط الأصفر”، حيث تركزت الانسحابات في شمال ووسط القطاع، باستثناء حي “الشجاعية” وأجزاء من حيي التفاح والزيتون القريبة مع الحدود الشرقية للقطاع، مع إبقاء قوات محدودة في بعض مناطق التمركز الحيوية مثل خانيونس ومعبر رفح ومحور فيلادلفيا القريبة من “معبر رفح” البري.
وجاءت هذه الانسحابات تدريجية لتسهيل عودة السكان إلى مناطقهم بشكل آمن، مع استمرار الرقابة العسكرية في المناطق الحساسة لضمان منع أي تهديدات فورية أو نشاطات مسلحة محتملة.
فيما يتعلق بمدينة “خانيونس”، فقد انسحب جيش الاحتلال من مناطق الوسط وأجزاء من المناطق الشرقية القريبة من “بني سهيلا” و”عبسان الكبيرة” والصغيرة”، في نفس الوقت تم منع سكان شمال غزة من العودة إلى بلدة “بيت لاهيا” و”بيت حانون” الحدودية مع الشمال وكذلك منع الاحتلال سكان رفح من العودة إلى أماكن سكنهم في الجنوب.
الاستعدادات الأمنية لضمان العودة الآمنة
الجدير ذكره، ولليوم الثاني على التوالي، واصلت أجهزة وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة تعزيز انتشارها في الشوارع الرئيسية والأسواق بالمناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وفق خطة ترامب، وذلك بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ظهر يوم الجمعة الماضية 10 أكتوبر 2025، بعد مُصادقة “الكابنيت” الإسرائيلي عليها.
وتهدف هذه الجهود إلى إعادة النظام وتنظيم حركة المواطنين، بالإضافة إلى معالجة آثار الفوضى التي خلفتها عمليات الاحتلال الإسرائيلية على مدار 730 يوماً، مع ضمان بيئة آمنة للعائدين إلى منازلهم، وخاصة أن هناك تخوفات من وجود آلغام وبقايا صواريخ لم تنفجر أو قنابل أو أي مُعدات عسكرية قد تشكل ضرراً على السكان العائدين إلى شمال غزة وقلبها.
إحصائية شهداء غزة على مدار عامين
وبعد بدأ عودة أهل شمال غزة إلى منازلهم، الأوجاع لم تنتهي بعد، فعلى مدى العامين الماضيين، أسفرت الحرب المدعومة أمريكياً عن استشهاد أكثر من 68 ألفاً فلسطينياً غالبينهم من الأطفال والنساء والمدنين العُزل، مع إصابة 170 ألفاً و962 آخرين، معظمهم أيضاً من النساء والأطفال.
إضافة إلى مجاعة مُفتعلة أودت بحياة 460 فلسطينياً بسبب إغلاق المعابر ومنع إدخال الغذاء والدواء إلى السكان، بينهم 154 طفلاً استشهدوا بسبب سوء التغذية، وعلى الرغم من هذا يأمل الفلسطينيون أن يساهم اتفاق وقف إطلاق النار في إنهاء هذه الكارثة الإنسانية وتمكينهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية ولو كان الألم كبيراً.
البند
العدد
ملاحظات
الشهداء الفلسطينيون
أكثر من 68,000
معظمهم أطفال ونساء ومدنيون عُزل
المصابون
170,962
معظمهم أطفال ونساء
ضحايا المجاعة
460
نتيجة إغلاق المعابر ومنع الغذاء والدواء
الأطفال ضحايا المجاعة
154
توفيوا بسبب سوء التغذية
بنود خطة ترامب وفرحة النازحين العائدين
تضمنت خطة ترامب، التي تم الإعلان عنها في 29 سبتمبر 2025 من العام الجاري، 20 بنداً، من بينها وقف إطلاق النار، الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين والفلسطينيين، ونزع سلاح حركة حماس، مع عودة النازحين إلى مناطق سكناهم بعد المُصادقة على الصفقة الإسرائيلية الحمساوية.
وقد تمت الاتفاق على المرحلة الأولى من الاتفاق بعد 4 أيام من مفاوضات غير مباشرة في “شرم الشيخ”، بمشاركة مصر وتركيا وقطر، وتحت إشراف أمريكي برفقة “كوشنر وويتكوف” مع التركيز على إعادة دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع ومراقبة انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً.
هذه الصفقة والتي وبُمجرد الإعلان عنها عبر منصة “تروث سوشال” الخاصة بترامب، وإنتشار الخبر في وسائل الإعلام المُختلفة، لاقت ترحيباً وفرحاً واسعاً بين سكان قطاع غزة المكلومين، فقد انطلقت الأعيرة النارية في الهواء، والهتاف والتهليل بوقف المقتلة الإسرائيلية على غزة، والتي من أبرزها عودة النازحين إلى بيوتهم ولو كانت مُدمرة.
بإطلاق النار في الهواء والهتاف في الشوارع المُدمرة وبفرح عارم، هذا ما قام به الفلسطنيون في غزة بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ اليوم الخميس الساعة 12 ظهراً بتوقيت القدس، فقد أعلن الرئيس الأمريكي “ترامب” عبر منصته “تروث سوشال” عن اتفاق المرحلة الأولى ضمن خطة ترامب بين حماس وإسرائيل، فقد شهدت عدة مناطق في غزة اليوم 9 أكتوبر، أجواء من الاحتفال والتفاؤل مع الإعلان وقف إطلاق النار ونجاح مفاوضات شرم الشيخ في مصر، وقد رصد موقع “دوحة 24” هذه الأجواء المبهجة والمرحبة بقرار وقف المقتلة في غزة.
فرح وابتهاج بإعلان وقف إطلاق النار في غزة
شهدت الكثير من مناطق النزوح التي يسكن فيها سُكان قطاع غزة، والتي أسكن بالقرب منها، أجواء مفرحة ومبتهجة بالإعلان عن وقف إطلاق النار بين حماس وإسرائيل اليوم الخميس 9 أكتوبر 2025، وبالفعل هذا ما لمسته أنا بنفسي وعلى مرأى عيني، فقد انطلق الصغار والكبار في الشوارع للاختفال بالإعلان عن المرحلة الأولى لوقف المقتلة في غزة، وذلك بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء، الهتاف وترديد شعارات مرحبة بالاتفاق ومتمنية بدوام الأمن والسلامة في القطاع.
فقد خرج عدد كبير من الفلسطنين من قطاع غزة من شمالها إلى جنوبها للاحتفال بالاتفاق والتعبير عن الرضى ولو كان منقوصاً، حيث سيضع الاتفاق حداً للأيام الموجعة والصعبة التي عاشها الأهلى والسكان في قطاع غزة جراء التصعيد والحرب التي بدأت منذ السابع من أكتوبر 2023 والتي استمرت لعامين كاملين.
ونقلت عدسة “موقع 24” الحدث، فقد انطلق عدد كبير من الأطفال الصغار والكبار من بين أزقة المخيمات المركزية في المحافظة الوسطى (المغازي، البريج، النصيرات، ودير البلح)، وهي المناطق المتبقية بدون تدمير كامل في قطاع غزة، للاحتفال بطريقتهم الخاص، وذلك عبر إطلاق النار في الهواء، الهتاف والتعبير عن الفرحة بالصراخ والشعارات الرمزية.
وقد قال أحد المواطنين في غزة:
“هذا أحلي يوم هذا انتصار كبير وهذا يوم نصر وفرح لنا، وأردف آخر “هذا اليوم استثنائي وكبير ونتمنى من الله أن توقف الحرب للأبد لنعيش بسلام بعد سنتين من الحرب”، وقال آخرين “الحمد لله وقفت الحرب، بدنا نعيش بدنا نسافر، بدنا نأكل زي الناس اللي برة”.
وقال عبد المجيد عبد ربه، الذي يسكن مدينة خانيونس في جنوبي القطاع المُدمر:
“الحمد لله على وقف إطلاق النار، ونهاية إراقة الدماء والقتل، مش أنا الوحيد السعيد، كل قطاع غزة سعيد، وكل الشعوب العربية، وكل العالم سعيد بوقف إطلاق النار ونهاية إراقة الدماء”.
فقد خرج الفلسطنيون من مختلف الفئات العمرية في الشوارع يحملون العلم الفلسطيني حملاً على الأكتاف ويرددون أهازيج فلسطينية احتفالية تعبيراً عن “الهدنة” ووقف إطلاق النار ما بين إسرائيل وحماس والتي أعلن عنها راعي الخطة “ترامب”.
على حسب تقرير ميداني خاص بموقع “دوحة 24“، فقد بدأت قوات جيش الاحتلال بالانسحاب من قلب مدينة غزة التي دخلها مع بدأ عملية “عربات جدعون2″، وذلك خشية الاحتكاك مع السكان الذين سيبدأون في العودة إلى بيوتهم المُدمرة بالكامل فور التصديق وبدء تنفيذ وقف إطلاق النار، وقد تم صدور أوامر للجيش بالاستعداد للخروج من قلب غزة بشكل كامل، وهذا ما شهد به عدد من المواطنين في قلب المدينة، على أن يتم الانسحاب من باقي المناطق (خانيونس، بيت حانون، بيت لاهيا) في مراحل لاحقة من الاتفاق، لحين استكمال الانسحاب على حسب ما تم الاتفاق عليه.
ولكن وعلى حسب اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، ففي المرحلة الأولى، سيتم بدء الانسحاب الإسرائيلي بشكل تدريجي من غزة، وبشكل طولي من (الشمال إلى الجنوب) من غزة، وذلك مروراً بالمراكز الرئيسية القريبة من السكان، وذلك وفق خطة “ترامب” التي تظهر خطوط انسحاب قوات الاحتلال من داخل قطاع غزة.
وبعد مُصادقة الاحتلال على الاتفاق في الكابنيت الإسرائيلي، وخلال 24 ساعة، ستقوم إسرائيل بالانسحاب من قطاع على 3 مراحل إلى “الخط الأصفر” الذي تم تحديده في مفاوضات “شرم الشيخ”، على أن ترتبط الأولى من المراحل الثلاثة بتبادل الأسرى، حيث سيتم إطلاق سراح الأسرى ال20 جمعياً دفعة واحدة خلال 72 ساعة، وسيتم خريطة بدء انسحاب القوات الإسرائيلية من قطاع غزة يوم السبت المقبل 11 أكتوبر 2025 وحتى يوم 13 من يوم الإثنين، على حسب الخريطة.
من المقرر أن يبدأ المسار الخاص بالانسحاب الإسرائيلي من مدينة “بيت حانون” الحدودية الواقعة في شمال غزة، مروراً بمدينة “بيت لاهيا”، ومن ثم مدينة غزة، فالبريج، ودير البلح (المنطقة الإنسانية)، وإلى خانيونس وخزاعة التي دُمرت المدينة ومسحت من على وجه الأرض، على أين يتم الانتهاء عند مدينة “رفح” القريبة من الحدود المصرية في جنوب القطاع، وهو ما سيتم التفاوض عليها في المراحل اللاحقة من وقف إطلاق النار.
تبادل أسرى وانسحاب
فقد أعلن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مساء يوم الأربعاء 8 أكتوبر 2025، التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار والرهائن في غزة، فقد غردّ على منصته “تروث سوشال” بالقول: “سيتم إطلاق سراحهم قريبا. شكرًا لكم”، وقال أيضاً: “فخور جدا بإعلان توقيع إسرائيل وحماس المرحلة الأولى من خطة السلام الخاصة بنا”.
وقد أوضح ترامب إلى أن اتفاق وقف إطلاق النار يعني الإفراج عن جميع الرهائن الإسرائيلين والفلسطينين، وانسحاب إسرائيل إلى خط متفق عليه، بناء على مفاوضات المرحلة الأولى في شرم الشيخ، وهي خطوة أولي نحو سلام قوي ودائم، على حسب زعمه.
مواقع رفات الرهائن بغزة
وفي خبر عاجل يصل إلى موقع “دوحة 24″، فيما يتعلق باتفاق وقف إطلاق النار بغزة، فقد أفاد مسؤولون إلى أن تركيا ستشارك مع الولايات المتحدة ودولة قطر ومصر ودولة الاحتلال في تحديد مواقع رفات قتلى الرهائن بغزة الذين ماتوا بسبب قصف إسرائيل لهم خلال الحرب الدائرة والتي استمرت منذ عامين متتالين.
في حين أن مسؤول إسرائيلي يتحدق عن أن عملية إعادة جثث القتلي سوف يستغرق أكثر من 72 ساعة، وذلك بسبب صعوبة التحرك على الأرض، ووجود قوات احتلال على أرض الواقع، وكجزء من الاتفاق، سوف تشارك عدة دول من بينها قطر ومصر لتحديد مواقع رفات الرهائن بناء على المعلومات الاستخباراتية، وذلك على حسب مصادر من
محاور المرحلة الأولى في اتفاق وقف إطلاق النار في غزة
فيما يتعلق بالمرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، فقد نشرت عدة وسائل إعلامية وأخبار محاور ونقاط الاتفاق ما بين حماس وإسرائيل ضمن المرحلة الأولى، وكانت على الشكل التالي:
دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، في ظهر يوم الخميس 9 أكتوبر 2025 عند الساعة 12 ظهراً بتوقيت القدس المُحتلة.سيتم الإفراج عن 20 أسيراً على قيد الحياة دفعة واحدة ممن تم أسرهم في 7 أكتوبر 2023.
في المقابل ستقوم قوات الاحتلال بإطلاق سراح 1000 أسير فلسطيني، من بينهم 250 أسير ذات المحكوميات العالية لمدى الحياة.
إطلاق 1700 أسير فلسطيني ممن تم أسرهم منذ بدء عملية “طوفان الأقصى” والحرب على غزوة.
عملية تبادل الأسرى ستتم في غضون 72 ساعة من بدء تنفيذ الاتفاق، يعني بداية من يوم السب 11 أكتوبر 2025 وحتى أقصاه يوم الإثنين 13 أكتوبر 2025.
عودة النازحين من المحافظة الوسطى ممن نزحوا مع بدء عملية “عربات جدعون 2” والتي على إثرها نزح آلاف من الفلسطنيين إلى المحافظة الوسطي وللمخميات المركزية، والعودة تكون فوراً مع بدء تنفيذ الاتفاق.
إدخال 400 شاحن مساعدات يومية كحد أدنى إلى القطاع خلال الأيام ال 5 الأولى بعد وقف إطلاق النار في غزة، على أن يتم زيادتها تدريجياً.
انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة بشكل طولي (من الشمال للجنوب)، مروراً بالمراكز السكانية الرئيسية في القطاع المُدمر، وذلك وقف بنود خطة ترامب والتي توضح خطوط انسحاب قوات الاحتلال.
بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، ستبدأ فور بدأ تنفيذ المرحلة الأولى من خطة ترامب للسلام.
الجدير ذكره، اليوم الخميس التاسع من أكتوبر، سيعقد الكابينت الإسرائيلي اجتماعاً للمصادقة على الاتفاق ما بين حماس وإسرائيل، ويليه فوراً اجتماع حكومي إسرائيلي.
عامان على “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر 2023، فاليوم يدخل قطاع غزة عامه الثالث من الحرب المُدمرة والكارثة الإنسانية الأكبر في تاريخ البشرية الحديث، وهي الحرب التي قتلت آلاف من الشهداء في غزة وضربت كل مقومات الحياة في القطاع المدمر والمنهك والمُجوع والنازح قسراً.
فهي الحرب التي ادعى الاحتلال الإسرائيلي أنها تُهاجم بها حركة “حماس” التي بدأت بالهجوم البري على الحدود مع قطاع غزة نحو المستوطنات المُحيطة، فهي حرب استهدفت الحجر والبشر وكل مقومات الحياة الإنسانية، وأسكنت 2 مليون إنسان غزي ويلات النزوح والجوع والدمار اليومي.
شهداء ومفقودون بالأرقام
بعد عامان من الحرب المُدمرة، الكثير من الإحصائيات والتقارير تتحدث عن عدد الشهداء والمفقودون في قطاع غزة، فالحرب ما زالت مستمرة اللحظة، فالحصيلة مٌروعة فنحن نتكلم عن أكثر من 67.180 شهيدًا و169.700 جريحًا ومُصاباً، وفق آخر إحصاءات وزارة الصحة حتى أكتوبر 2025 الجاري، عدا الآلاف المفقودين تحت الأنقاض الذين يُفترض استشهادهم.
في حين بلغ عدد المفقودين ما بين 8,000 و14.000 شخص، بينما تم اعتقال أكثر من 9.350 فلسطيني، بينهم كوادر طبية وأكاديمية، وفي المقابل، استشهد 1.500 من الكوادر الطبية و120 من عناصر الدفاع المدني أثناء أداء مهامهم الإنسانية، وغيرهم من الكوادر البشرية العاملة في المجال الصحي المُدمر والمنهك والمتوقف بنسبة تصل إلى 95%.
النساء والأطفال يُبادون
لم يكن المدنيون مجرد ضحايا جانبيين للحرب، بل هدفًا رئيسيًا لها ومباشراً لأي طفل أو إمرأة أياً كان جنسه أو لونه أو عرقه، فالأطفال شكلوا النسبة الأعلى بين الشهداء في غزة، حيث استشهد أكثر من 19.000 طفل، وصف مسؤولو الأمم المتحدة غزة بأنها عبارة عن “مقبرة الأطفال”، عندما خرجوا عن صمتهم.
والنساء لم تخرج عن مشهد القتل والدمار، فقد استشهدت 12.350 امرأة، بينهن 6.000 أم تركن وراءهن ما يزيد على 19.000 طفل يتيم، وترك نسبة كبيرة جداً من الأرامل التي فقدن أزواجهن وواجهن الحياة بعدد من الأطفال لم يتمكنون من إطعامهم بسبب قلة الحاجة وقلة المال والموارد الغذائية والصحية، كما وتواجه الحوامل مخاطر الموت بسبب انهيار الخدمات الصحية وسوء التغذية.
في سياق آخر، تُشير الإحصاءات إلى أن أكثر من 43.000 فلسطيني يعانون من إعاقات دائمة، بينهم آلاف الأطفال، بينما خضع 6.000 شخص لعمليات بتر أطراف، طالت الكبار والصغار والنساء على حد سواء.
انهيار النظام الصحي والتعليم
بعد عامان من حرب ال 7 من أكتوبر، تم استهداف متعمد وممنهج طال المستشفيات والمدارس والجامعات وغيرها من المؤسسات التعليمية والصحية، فقد تم تم تدمير 38 مستشفى و84% من المرافق الصحية، مما عمل على شل قدرة النظام الطبي على العمل.
كما تعرض قطاع التعليم لضربة قاصمة بهدم المدارس التي يبيت فيها النازحون أصلاً، إذ دُمر 138 مرفقًا تعليميًا بالكامل وتضرر أكثر من 357 آخرين، مما جعل غالبية أطفال غزة محرومين من التعليم، وتم تصنيف ذلك كأكبر انتهاك لحق التعليم في التاريخ الحديث، فالحرب طالت كل شىء والهدف هو التدمير وطمس ما في غزة من جمال وحياة.
نزوح قسري شامل
آخر عمليات النزوح تمت منذ شهور قليلة، مع بدأ عملية “عربات جدعون 2” والتي طالبت فيه إسرائيل من أهل غزة (العاصمة) من الخروج من قلب المدينة تمهيداً لتدميرها وتدمير الأبراج فيها، فقد أجبرت الحرب سكان القطاع على النزوح الجماعي المتكرر، حتى لم يبقَ مكان آمن يمكن اللجوء إليه.
هناك أكثر من 2 مليون فلسطيني في غزة نزحوا داخليًا، في واحدة من أكبر موجات التهجير في العصر الحديث، مع تسجيل بعض العائلات نزوحها ست مرات متتالية، وهي العائلات التي لا تعرف أين تذهب وأين تبيت من حر الصيف وصقيع الشتاء القارس.
فقد تحولت غزة إلى مساحة شاسعة من الخيام والملاجئ المؤقتة، حيث يعاني النازحون من غياب الماء النظيف والمأوى، وتفشي الأمراض والأوبئة نتيجة الاكتظاظ وانعدام الخدمات الصحية.
اعتمدت إسرائيل في حربها التدميرية منذ السابع من أكتوبر 2023 على التجويع الممنهج والقتل والتدمير اليومي للمنازل الآمنة، فقد مُنع دخول الغذاء والوقود والدواء، ما أدى إلى مجاعة حقيقية في شمال القطاع ووسطها وجنوبها، وهذا ما عايشته أنا كاتب المقالة بنفسي، فقد شعرت بالجوع لأول مرة مع نقص حاد من الطحين والمواد التموينية الأساسية.
في حين أكدت تقارير الأمم المتحدة أن الغالبية العظمى من سكان غزة يعانون من انعدام الأمن الغذائي، وأن أكثر من نصفهم على حافة المجاعة، خاصة الأطفال الذين يُعانون من سوء التغذية الحاد، في ظل نقص الحليب وأكل الأطفال، جراء منع إسرائيل لإدخاله عبر المعابر مثل “كرم أبو سالم” و”إيريز” وغيرها من المعابر المغلقة، والتي هي شريان الحياة لأكثر من 2 مليون غزاوي.
الصحفيون والإغاثيون في مرمى النار
ومع مرور عامين على حرب غزة، ودخول سكان غزة العام الثالث، وصفت لجنة حماية الصحفيين الحرب على غزة بأنها “الأكثر دموية في تاريخ الصحافة”، فقد استهدفت الصحفيون بشكل مباشر كان آخرهم “أنس الشريف” و”محمد قريقع” الذي استشهدوا هو ورفقة من الصحفيون داخل مستشفى الشفاء في غزة.
فقد استُشهد أكثر من 238 صحفياً وعاملاً إعلامياً، بينهم مراسلو ومصورو قناة الجزيرة، كما استشهد 544 من العاملين في المجال الإنساني، بينهم 374 من موظفي الأمم المتحدة وأكثر من 200 من موظفي الأونروا العاملة في غزة، في استهداف مباشر لعمليات الإغاثة الإنسانية الدولية.
بكل صراحة، لم يشهد العالم في العصر الحديث دمارًا شاملاً كالذي حل بقطاع غزة الذي ما زال يُعاني من حرب شرسة أكلت الأخضر واليابس، وعليك أن تعلم أن أكثر من 90% من البنية التحتية دُمرت كليًا أو جزئيًا، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة وتقارير أخرى صادرة عن مؤسسات دولية مُختلفة.
ولو تكلمنا عن البيوت والأبراج السكنية في قطاع غزة، فهنا نتكلم عن أن هناك أكثر من 290 ألف أسرة فقدت منازلها، وتحولت الأحياء السكنية إلى أكوام من الركام بلغت كميتها ما بين 42 و48 مليون طن، وهناك بيوت ما زالت تُدمر وأبراج تنسف من أساساتها، ومثالها الأبراج التي دُمرت في طوفان النزوج الأخير من قلب مدينة غزة والتي دمرت فيها أبراج مثل “براج المشهرواي” القريب من ميناء غزة و”برج الغفري” القريب من مستشفى الشفاء.
هذا إضافة إلى تضرر شبكات المياه والكهرباء (التي لم نراها منذ عامان كاملان) والصرف الصحي بالكامل، إذ تم تدمير أكثر من 5 آلاف كيلومتر من خطوط الكهرباء و730 بئر مياه، ما أدى لانهيار شبه كامل للخدمات الحيوية الأساسية لأي بشر يعيش في القرن الواحد والعشرين والذي يُدعي الديمقراطية والإنسانية.
تدمير الحياة الثقافية والدينية في غزة
لم يسلم التراث الثقافي من التدمير، فقد دُمر 832 مسجداً وعدد من الكنائس والمواقع الأثرية القديمة أبرزها “الجامع العُمري”، فقد تحولت الأماكن التاريخية التي كانت رمزاً للهوية الفلسطينية إلى أنقاض، في محاولة لطمس الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني.
القوة التدميرية والتداعيات البيئية
مع استمرار الحرب على غزة، وفي ظل المفاوضات في شرم الشيخ بين حماس وإسرائيل، لابد من الحديث عن القوة التدميرية المستخدمة ضد المدنيين في قطاع غزة المُنهك والمُدمر، حيث تُقدّر كمية المتفجرات التي أُلقيت على غزة بما بين 86.000 و200.000 طن، أي ما يعادل 233 كغم من المتفجرات على كل متر مربع من مساحة القطاع.
وقد أدى ذلك إلى تلوث بيئي هائل شمل التربة والمياه الجوفية بالمعادن الثقيلة والمواد السامة، وانتشار الذخائر غير المنفجرة في كل مكان، وتحذر المنظمات الدولية من أن هذه الملوثات ستجعل إعادة إعمار غزة ومعيشة سكانها آمنة أمرًا شبه مستحيل لعقود قادمة.
جرائم حرب ومسؤولية دولية
تؤكد تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية حول العالم أن أكثر من 65% من الشهداء هم من النساء والأطفال، وأن النمط المتكرر من القصف العشوائي والمتعمد للمدنيين يشكل جريمة حرب مكتملة الأركان، وهذا ما شهدته بنفسي حيث تم تدمير كثير من البيوت على رؤوس ساكنيها لمُجرد وجود مطلوب من حماس واحد في هذا البيت أو المبنى.
هذا الأمر قد دفع ذلك المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرات اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، من بينهم بنيامين نتنياهو، بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
مع حلول العام الثالث من حرب غزة، تتجه الأنظار اليوم إلى مدينة شرم الشيخ المصرية، حيث تُعقد جولات جديدة من المفاوضات بين إسرائيل وحركة حماس بوساطة مصرية ودولية مكثفة، وذلك بعد موافقة حماس على إطلاق الأسرى والرهائن الإسرائيلين في غضون 72 ساعة بعد موافقتها على “بنود خطة ترامب” الأخيرة 2025، والتي على إثرها طالب الرئيس الأمريكي “ترامب” من إسرائيل بوقف قصف غزة فوراً.
تهدف هذه المباحثات إلى التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار وإنهاء معاناة المدنيين المستمرة منذ عامين في قطاع غزة، إلى جانب بحث تبادل الأسرى وفتح المعابر الإنسانية لإدخال المساعدات العاجلة، إضافة إلى التفاوض على أماكن تمركز جيش الإحتلال في غزة، ومعرفة من سوف يدير غزة في “اليوم التالي”.