منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار في غزة بين حماس وإسرائيل، شهد قطاع غزة موجة عودة للنازحين من المحافظات الجنوبية إلى غزة وشمالها وذلك بعد دخول الاتفاق حيز التنفيذ في يوم الجمعة 10 أكتوبر 2025، والتي كانت من بين شروطه هو عودة النازحين إلى بيوتهم المُدمرة في قلب غزة وشمالها، وذلك بعد رحلة نزوح مريرة عاشها النازحون إلى محافظات الوسطى وخانيونس.
وتأتي هذه العودة ضمن المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأمريكي الحالي “ترامب”، التي هدفت إلى وقف الحرب، انسحاب جزئي للجيش الإسرائيلي من المناطق التي تسيطر عليها، وإطلاق متبادل للأسرى، مع دعم دولي من مصر وتركيا وقطر تحت إشراف أمريكي.
فرحة عودة النازحين إلى شمال غزة وسط أنقاض المنازل
لليوم الثاني على التوالي، تتواصل عمليات عودة سكان قطاع غزة وشمالها بعد نزوح كبير إلى محافظات الوسطى (المغازي، البريج، النصيرات، الزوايدة، ودير البلح) ومواصي خانيونس في القطاع، وذلك بعد أجبر الاحتلال الإسرائيلي السكان على الخروج من منازلهم هرباً من الموت والدمار، وبسبب استمرار عملية “عربات جدعون 2″، والتي بسببها نزح أكثر من نصف مليون غزاوي من قلب غزة إلى مناطق إنسانية (على حسب وصف إسرائيل)، ولكن في الحقيقة كانت مكاناً للموت وللقهر بسبب عدم توفر مكان لمبيت الأطفال والنساء الذين اتخذوا الأرض مكاناً لهم والسماء لحافاً.
فقد بدأ آلاف من الفلسطنيين بالعودة إلى مناطق سكنهم بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى خطوط انتشار جديدة وفق الاتفاق ليتمركزوا عند “الخط الأصفر” الذي تم الاتفاق عليها وقف مفاوضات “شرم الشيخ”، وقد تمكن المواطنون من الانتقال من جنوب إلى شمال القطاع عبر “شارع الرشيد” عبر منطقة “تبة النويري” والطريق الساحلي “صلاح الدين” البري، وسط ظروف شاقة استمرت لساعات، سواء سيراً على الأقدام أو عبر المركبات القليلة المتوفرة، وعربات تجرها حيوانات ودراجات نارية.
وتعتبر العودة إلى المنازل ولو كانت مُدمرة بعد شهور من النزوح خطوة مهمة نحو استعادة الروتين اليومي وإحياء الحياة الاجتماعية والاقتصادية في شمال القطاع المُنهك والمُدمر تدميراً كاملاً، ويأمل السكان في غزة أن يسهم الاتفاق الأخير ضمن “خطة ترامب” في توفير الأمن والاستقرار، بالإضافة إلى تسريع وصول المساعدات الإنسانية ودعم عمليات إعادة الإعمار، وهي محاور سيتم التفاوض عليها لاحقاً في المراحل القادمة بعد انتهاء المرحلة الأولى وتسليم الأسرى ال20.
وقد رصدت عدسة “دوحة 24” مشاهد عودة النازحين إلى شمال غزة، فقد فقد حزم آلاف النازحين أمتعتهم من أماكن النزوح المؤقتة في جنوب قطاع غزة ووسطه، وبدأوا في الانطلاق سيراً على الأقدام أو عبر عربات “الكارو” التي تجرها الحمار إلى مناطق سكناهم بمدنية غزة أو مناطق محافظة الشمال.
وفي مخيمات الوسط، هناك الكثير من الأسر الفلسطينية النازحة في محافظات ومخيمات الوسطي، أبرزها مخيم المغازي، البريج، النصيرات، وقرية الزوايدة، ودير البلح، وقد بدأوا في حزم الأمتعة الخاصة بهم وانطقوا بمركباتهم التي تعمل بزيت السيرج أو السولار الصناعي المحلي، للوصول إلى منازلهم التي دمرها الاحتلال بفعل الحملة العسكرية الأخيرة التي أكلت الأخضر واليابس ودمرت غالبية أبراج غزة مثل “برج المشهرواي” و”برج الغفري” وغيرها من المباني السكنية.
قد يهمك أن تقرأ: غزة تتنفس: اتفاق وقف إطلاق النار في غزة يدخل حيز التنفيذ
أيمن يشهد عودة النازحين لغزة
أيمن، وهو مهندس ومن سكان قطاع غزة، لم يغادر مدينة غزة طوال العامين الماضيين، رغم الحرب المدمرة التي شنها الجيش الإسرائيلي على القطاع الفلسطيني، جيث يعيش أيمن في الجزء الغربي من المدينة بالقرب من البحر القريب من “مينا غزة” المُدمر، وقد فاضت مشاعره يوم الجمعة 10 أكتوبر بإعلان وقف إطلاق النار في غزة، وبدء عودة آلاف النازحين إلى شمال غزة، وقد قال متأثراً:
“الشوارع مليئة بالنازحين العائدين”، بينما كانت أصوات الأطفال وأبواق السيارات والكارات تملأ المكان بشكل ضخم وكبير”.
الدفاع المدني في غزة
هذا وقد أفاد الدفاع المدني في غزة أن أكثر من 250 ألف مواطن عادوا إلى شمال قطاع غزة منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أكتوبر 2025 الجاري، مشيراً إلى أن آلاف النازحين تمكنوا من العودة إلى مدينة غزة عبر شارع الرشيد الساحلي وطريق “صلاح الدين”.
وقد شهدت المنطقة، وخاصة في “تبة النويري القريبة من النصيرات، تحرك حشود ضخمة شمالاً نحو أكبر المدن في القطاع، والتي كانت قد تعرضت لهجوم إسرائيلي واسع أدى إلى ترحيل وتهجير سكانها خلال الشهور القليلة الماضية، في واحدة من أشرس عمليات الجيش خلال الحرب للضغط على حماس للتفاوض على إطلاق الأسرى.
كما ويواصل الدفاع المدني بغزة جهوده لضمان سلامة العائدين وتقديم الدعم اللازم لهم خلال هذه المرحلة الحساسة من العودة، والتي ستكون بداية للتأقلم مع الوضع الكارثي في المدينة المُنهكة والمدمرة من جميع نواحي الحياة.
قد يهمك أن تقرأ: أهالي غزة لـ دوحة 24: لا نثق باتفاقيات إسرائيل ونخشى غدرها
الأثر النفسي والاجتماعي للنزوح المتكرر
واجهت الأسر العائدة من مناطق النزوح في جنوب قطاع غزة (الوسط والجنوب في خانيونس) تجربة مريرة خلال سنوات الحرب، حيث اضطر الكثيرون إلى العيش في أراضي مفتوحة بعيداً عن منازلهم ومصالحهم مُلتحفين السماء، ومع بدء العودة إلى شمال ووسط القطاع، يعيد السكان بناء حياتهم تدريجياً وسط مشاعر مختلطة بين الفرح والتفاؤل الحذر، مستذكرين معاناة النزوح والدمار الذي لحق بمنازلهم في النزوح الأول الذي استمر أكثر من 7 إلى 9 شهور الذي بدأ في منتصف الحرب.
ويأمل السكان في القطاع أن يتيح لهم وقف إطلاق النار والاتفاق الأخير بين حماس وإسرائيل، إستعادة حياتهم وإعادة الحياة الطبيعية، وإحياء ما تم تدميره ومسحه، وهي الحياة التي تأثرت جراء سنوات النزوح الطويلة والصعبة، والتي تكبد فيها الغزاوي الكثير من المخاسر النفسية والمادية، فقد عانى المواطن الغزاوي من آثار نفسية واجتماعية كبيرة نتيجة النزوح المتكرر، حيث أجبرتهم موجات الحرب والإبادة على ترك منازلهم عدة مرات خلال العامين الماضيين.
تأثير النزوح على الأطفال والأسرة
فقد عانى الأطفال في غزة من آثار نفسية عميقة نتيجة النزوح المتكرر والحرب المستمرة، فقد اضطر العديد منهم إلى مغادرة مدارسهم والابتعاد عن أصدقائهم ومناطق لعبهم، مما أدى إلى شعور دائم بالخوف والقلق وعدم الاستقرار النفسي، ويستمر تأثير هذه التجربة على نموهم الاجتماعي والعاطفي وعلى مستواهم التعليمي، حيث يصعب عليهم استعادة شعورهم بالأمان الذي فقدوه أثناء النزوح.
فقد تأثرت الأسر الفلسطينية بالنزوح القسري، إذ أُجبرت العائلات على ترك منازلها وممتلكاتها مرات متعددة خلال فترة الحرب التي استمرت عامين، وأدى هذا الوضع إلى تفكك الروابط الأسرية في بعض الحالات، وزيادة الضغوط الاقتصادية والمعيشية التي لا تُوصف في حقيقة الأمر (فأنا جربتها بما أننا أسكن في غزة)، حيث اضطررنا للعيش في خيام للنازحين مؤقتة أنقاض المنازل أو في الأراضي المفتوحة، كما أثر النزوح على قدرة العائلات على تقديم الرعاية الكاملة للأطفال، ما زاد من المعاناة اليومية ومن إنتشار الأمراض بين الأطفال.
كل هذا وأكثر أدى إلى شعور دائم بالقلق والخوف، عند الكبار والصغار، بالإضافة إلى فقدان الأمان والاستقرار الأسري والعائلي، فقد أثر النزوح على الأطفال بشكل خاص، مما زاد من معاناتهم النفسية والتعليمية، بينما واجهت العائلات صعوبة توفير أبسط مقومات الحياة من أكل ومشرب وبيت دافىء، وإعادة بناء حياتهم بعد كل موجة نزوح.
ويأمل السكان أن يتيح اتفاق وقف إطلاق النار فرصة لوقف هذه الموجات المستمرة من النزوح، واستعادة حياة طبيعية وآمنة لهم ولأطفالهم، وأن يتم وقف الحرب بلا رجعة.
قد يهمك أن تقرأ: أهالي غزة لـ دوحة 24: لا نثق باتفاقيات إسرائيل ونخشى غدرها
انسحاب إسرائيل من غزة 2025
ضمن مفاوضات “شرم الشيخ” وخطة “ترامب” الأخيرة، فقد شهد قطاع غزة انسحابات جزئية للجيش الإسرائيلي في إطار المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، حيث انسحب الجيش حتى “الخط الأصفر”، حيث تركزت الانسحابات في شمال ووسط القطاع، باستثناء حي “الشجاعية” وأجزاء من حيي التفاح والزيتون القريبة مع الحدود الشرقية للقطاع، مع إبقاء قوات محدودة في بعض مناطق التمركز الحيوية مثل خانيونس ومعبر رفح ومحور فيلادلفيا القريبة من “معبر رفح” البري.
وجاءت هذه الانسحابات تدريجية لتسهيل عودة السكان إلى مناطقهم بشكل آمن، مع استمرار الرقابة العسكرية في المناطق الحساسة لضمان منع أي تهديدات فورية أو نشاطات مسلحة محتملة.
فيما يتعلق بمدينة “خانيونس”، فقد انسحب جيش الاحتلال من مناطق الوسط وأجزاء من المناطق الشرقية القريبة من “بني سهيلا” و”عبسان الكبيرة” والصغيرة”، في نفس الوقت تم منع سكان شمال غزة من العودة إلى بلدة “بيت لاهيا” و”بيت حانون” الحدودية مع الشمال وكذلك منع الاحتلال سكان رفح من العودة إلى أماكن سكنهم في الجنوب.
الاستعدادات الأمنية لضمان العودة الآمنة
الجدير ذكره، ولليوم الثاني على التوالي، واصلت أجهزة وزارة الداخلية والأمن الوطني في غزة تعزيز انتشارها في الشوارع الرئيسية والأسواق بالمناطق التي انسحب منها الجيش الإسرائيلي وفق خطة ترامب، وذلك بعد دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ ظهر يوم الجمعة الماضية 10 أكتوبر 2025، بعد مُصادقة “الكابنيت” الإسرائيلي عليها.
وتهدف هذه الجهود إلى إعادة النظام وتنظيم حركة المواطنين، بالإضافة إلى معالجة آثار الفوضى التي خلفتها عمليات الاحتلال الإسرائيلية على مدار 730 يوماً، مع ضمان بيئة آمنة للعائدين إلى منازلهم، وخاصة أن هناك تخوفات من وجود آلغام وبقايا صواريخ لم تنفجر أو قنابل أو أي مُعدات عسكرية قد تشكل ضرراً على السكان العائدين إلى شمال غزة وقلبها.
إحصائية شهداء غزة على مدار عامين
وبعد بدأ عودة أهل شمال غزة إلى منازلهم، الأوجاع لم تنتهي بعد، فعلى مدى العامين الماضيين، أسفرت الحرب المدعومة أمريكياً عن استشهاد أكثر من 68 ألفاً فلسطينياً غالبينهم من الأطفال والنساء والمدنين العُزل، مع إصابة 170 ألفاً و962 آخرين، معظمهم أيضاً من النساء والأطفال.
إضافة إلى مجاعة مُفتعلة أودت بحياة 460 فلسطينياً بسبب إغلاق المعابر ومنع إدخال الغذاء والدواء إلى السكان، بينهم 154 طفلاً استشهدوا بسبب سوء التغذية، وعلى الرغم من هذا يأمل الفلسطينيون أن يساهم اتفاق وقف إطلاق النار في إنهاء هذه الكارثة الإنسانية وتمكينهم من العودة إلى حياتهم الطبيعية ولو كان الألم كبيراً.
| البند | العدد | ملاحظات |
|---|---|---|
| الشهداء الفلسطينيون | أكثر من 68,000 | معظمهم أطفال ونساء ومدنيون عُزل |
| المصابون | 170,962 | معظمهم أطفال ونساء |
| ضحايا المجاعة | 460 | نتيجة إغلاق المعابر ومنع الغذاء والدواء |
| الأطفال ضحايا المجاعة | 154 | توفيوا بسبب سوء التغذية |
بنود خطة ترامب وفرحة النازحين العائدين
تضمنت خطة ترامب، التي تم الإعلان عنها في 29 سبتمبر 2025 من العام الجاري، 20 بنداً، من بينها وقف إطلاق النار، الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين والفلسطينيين، ونزع سلاح حركة حماس، مع عودة النازحين إلى مناطق سكناهم بعد المُصادقة على الصفقة الإسرائيلية الحمساوية.
وقد تمت الاتفاق على المرحلة الأولى من الاتفاق بعد 4 أيام من مفاوضات غير مباشرة في “شرم الشيخ”، بمشاركة مصر وتركيا وقطر، وتحت إشراف أمريكي برفقة “كوشنر وويتكوف” مع التركيز على إعادة دخول المساعدات الإنسانية إلى القطاع ومراقبة انسحاب الجيش الإسرائيلي تدريجياً.
هذه الصفقة والتي وبُمجرد الإعلان عنها عبر منصة “تروث سوشال” الخاصة بترامب، وإنتشار الخبر في وسائل الإعلام المُختلفة، لاقت ترحيباً وفرحاً واسعاً بين سكان قطاع غزة المكلومين، فقد انطلقت الأعيرة النارية في الهواء، والهتاف والتهليل بوقف المقتلة الإسرائيلية على غزة، والتي من أبرزها عودة النازحين إلى بيوتهم ولو كانت مُدمرة.
