أكد سفير الجمهورية الفرنسية لدى قطر أرنو بيشو أن زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الدوحة، بدعوة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، عكست عمق العلاقات بين البلدين، وحددت ملامح مرحلة جديدة من التعاون في مجالات الدفاع والطاقة والاقتصاد والتعليم والثقافة.
وأوضح بيشو، خلال مؤتمر صحفي، أن الزيارة حملت أربعة أبعاد رئيسية تتمثل في الصداقة والامتنان والتضامن والطموح، مشيراً إلى أن العلاقات القطرية الفرنسية تستند إلى شراكة ممتدة تجمع بين المصالح الاستراتيجية والتعاون العملي والرؤية المشتركة لمواجهة التحديات الإقليمية والدولية.

فرنسا تثمن دعم قطر لمواطنيها
أشاد السفير الفرنسي بالدعم الذي قدمته القوات المسلحة القطرية للمواطنين الفرنسيين المقيمين في قطر، الذين تقطعت بهم السبل خلال العمليات العسكرية، مؤكداً أن فرنسا لن تنسى ما وصفه بالحماية التي وفرتها قطر لهم.
كما نوه بحفاوة الاستقبال ودقة التنظيم اللذين رافقا زيارة الرئيس ماكرون، معتبراً أن أجواء الزيارة ومباحثاتها عكست مستوى الثقة المتبادلة بين البلدين، وحرصهما على تطوير علاقاتهما في مختلف المجالات.

تضامن عسكري وتنسيق لمواجهة التحديات الإقليمية
وفي حديثه عن التطورات الأمنية في المنطقة، أكد بيشو أن فرنسا وقطر لم تختارا الحرب، مشيراً إلى أن باريس أدانت الهجمات التي استهدفت قطر في 28 فبراير، ووقفت إلى جانبها عسكرياً من خلال نشر دوريات مشتركة من طائرات «رافال»، إلى جانب قدرات الكشف والاعتراض ومجموعة حاملة الطائرات الفرنسية «شارل ديغول» القتالية.
وأوضح أن هذا التعاون يعكس مستوى متقدماً من التنسيق العسكري بين البلدين، والذي لم يتشكل بصورة مفاجئة، بل جاء نتيجة سنوات طويلة من العمل المشترك وتطوير العلاقات الدفاعية والعملياتية والصناعية.
وفيما يتعلق بإيران، أشار السفير إلى أن المباحثات بين الرئيس الفرنسي وأمير البلاد تناولت التطورات السياسية وأمن الطاقة، إلى جانب التحديات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية ودعم الجماعات الحليفة لطهران وإغلاق مضيق هرمز.
وأكد أن هذه الملفات لا يمكن حلها بالوسائل العسكرية وحدها، وأن المسار التفاوضي يظل ضرورياً للتوصل إلى حلول مستدامة تدعم الاستقرار الإقليمي.

إمدادات الغاز القطري تعزز أمن الطاقة الفرنسي
احتل أمن الطاقة جانباً مهماً من مباحثات الزيارة، في ظل التداعيات الاقتصادية التي خلفتها الأزمة الإقليمية على أسواق الطاقة والتجارة العالمية. وأوضح بيشو أن تعطّل صادرات الطاقة يهدد الأمن الغذائي في الدول النامية، بينما يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة الضغوط التضخمية في الاقتصادات المتقدمة.
وقال إن الهدف الاقتصادي الأول لزيارة منطقة الخليج تمثل في ضمان إمدادات الطاقة إلى فرنسا، مشيراً إلى أن المباحثات بين شركتي قطر للطاقة وتوتال إنرجيز أسفرت، بحسب ما أعلنه، عن تأمين إمدادات من الغاز الطبيعي المسال إلى فرنسا تبلغ تيراواطين ساعيين شهرياً خلال موسم الشتاء الحالي.
وأضاف أن مباحثات أخرى تجري بين قطر للطاقة وشركة إنجي الفرنسية لاستكشاف فرص إضافية لزيادة صادرات الطاقة إلى فرنسا، بما يدعم أمن الإمدادات خلال فترة تشهد اضطرابات في الأسواق العالمية.
وتبرز هذه المباحثات أهمية قطر في منظومة إمدادات الغاز العالمية، ودورها في مساعدة الشركاء على التعامل مع تقلبات الأسواق، خصوصاً خلال مواسم ارتفاع الطلب على الطاقة.
بدائل لمضيق هرمز وخطط لتأمين حركة التجارة
كشف السفير الفرنسي عن بحث ثلاثة مسارات إضافية للتعامل مع التحديات التي تواجه حركة الملاحة وسلاسل الإمداد، تشمل المساعدة في تأمين بعض السفن، وتطوير آلية تأمين تسهم في خفض تكاليف النقل، إلى جانب تنويع البنية التحتية للنقل بهدف تجاوز مضيق هرمز عبر بدائل برية وطرقية وسككية بالتعاون مع دول المنطقة.
وأشار إلى أن المقترح الفرنسي الرامي إلى تشكيل تحالف دفاعي وسلمي لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز لا يزال قائماً، في إطار مساعٍ لتعزيز أمن الممرات البحرية وحماية حركة التجارة والطاقة.
وأوضح أن النقاش بشأن الممرات البديلة يتجاوز العلاقات الثنائية بين قطر وفرنسا، ليشمل أوروبا ودول المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية، ضمن تصور أوسع لتعزيز الربط الاقتصادي والتجاري بين مناطق المنطقة.
ولفت إلى أن الرئيس ماكرون ناقش هذه المسألة مع عدد من الدول، من بينها قطر والإمارات والسعودية ومصر ولبنان وسوريا والعراق. غير أن تنفيذ هذه الرؤية لا يزال في مراحله الأولى، ويتطلب دراسات معمقة وتنسيقاً إقليمياً واسعاً واستثمارات كبيرة لإنشاء البنية التحتية اللازمة، بما يشمل السكك الحديدية وخطوط الأنابيب والطرق البرية.
تعاون دفاعي يشمل تحديث رافال والمركبات العسكرية
وفي الجانب الدفاعي، أوضح بيشو أن الشراكة بين البلدين تقوم على تعاون هيكلي وعملياتي وصناعي تراكم على مدى عقود، مشيراً إلى أن طائرات «رافال» تمثل إحدى أبرز ركائز هذا التعاون.
وأضاف أن الجانبين يعملان على تعزيز الشراكة من خلال تحديث أسطول طائرات رافال، إلى جانب توقيع خطاب نوايا لاختيار شركتي KNDS وJCD لبرنامج المركبات ذات الدفع الرباعي المحوري «8×8» للقوات البرية، فضلاً عن بحث تطوير قدرات إضافية في مجالي الكشف والاعتراض.
وتعكس هذه الخطوات، وفقاً للسفير، توجهاً نحو توسيع التعاون الدفاعي بما يتناسب مع المتغيرات الأمنية، مع الاستفادة من الخبرات الصناعية والتكنولوجية التي يمتلكها الطرفان.
التعليم والثقافة في صلب الشراكة المستقبلية
وأكد بيشو أن التعاون بين قطر وفرنسا لا يقتصر على الدفاع والطاقة، بل يشمل أيضاً تنمية رأس المال البشري باعتباره إحدى الركائز الأساسية للشراكة الثنائية.
وفي هذا السياق، شدد على أهمية تعزيز تعليم اللغة الفرنسية في المدارس القطرية، وتوسيع التعاون بين مؤسسات التعليم العالي، مستنداً إلى التجارب التي حققتها مؤسسات مثل كلية الدراسات العليا للتجارة «HEC» وجامعة السوربون.
كما أشار إلى أهمية زيادة التنقل الطلابي وتوسيع مجالات التعاون الثقافي، بما يشمل المتاحف والسينما والتراث والإبداع المعاصر، بما يعزز التبادل بين المجتمعين ويفتح فرصاً جديدة أمام الشباب.
شراكة تتطلع إلى المستقبل
واختتم السفير الفرنسي حديثه بالتأكيد على أن قطر وفرنسا تتبنيان نهجاً استراتيجياً متقارباً في عالم يشهد اضطرابات متسارعة، وتسعيان إلى تعزيز استقلالهما وسيادتهما والحفاظ على هويتيهما، بما يسهم في بناء عالم أكثر أمناً واستقراراً.
وأضاف أن البلدين يواصلان تطوير أشكال التعاون بما يتلاءم مع الأزمات العالمية، ويدعم النمو الاقتصادي في القطاعات التي ترسم ملامح المستقبل، ويمنح الشباب فرصاً أوسع لبناء مساراتهم المهنية والشخصية.
وأكد بيشو أن قطر تمثل بالنسبة إلى فرنسا خياراً يجمع بين القلب والعقل، وخياراً للمستقبل، في إشارة إلى ما تحمله العلاقات الثنائية من أبعاد إنسانية واستراتيجية واقتصادية.




