أكد السيد صالح عطية، سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى دولة قطر، متانة العلاقات القطرية الجزائرية، مشيراً إلى أنها تستند إلى جذور تاريخية راسخة من التضامن والتآزر العربي، وتتجه نحو مرحلة جديدة من التعاون الاستراتيجي، مدعومة بمشاريع استثمارية كبرى تشمل قطاعات الأمن الغذائي والصناعة والصحة والنقل.

واستعرض السفير الجزائري، خلال الاحتفال بالذكرى الثانية والسبعين لثورة أول نوفمبر المجيدة، الذي أقيم تحت شعار نوفمبر ذاكرة وطن… ومستقبل أمة ، أبرز محطات العلاقات الثنائية، والمشاريع الاقتصادية المشتركة، إلى جانب آفاق التعاون خلال المرحلة المقبلة.

وحضر الاحتفال الدكتور عبد الله بن عبد العزيز بن تركي السبيعي، وزير البيئة والتغير المناخي، وعدد من أصحاب السعادة والمسؤولين والضيوف.

 السيد صالح عطية، سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى دولة قطر
السيد صالح عطية، سفير الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية لدى دولة قطر

مشاريع قطرية بمليارات الدولارات في الجزائر

وتتصدر الاستثمارات المشتركة الجانب الاقتصادي في العلاقات بين البلدين، حيث كشف السفير صالح عطية عن تقدم عدد من المشاريع الاستراتيجية التي تعكس اتساع الشراكة القطرية الجزائرية، وفي مقدمتها مشروع شركة بلدنا المتكامل لإنتاج الحليب المجفف واللحوم الحمراء والأعلاف، باستثمارات إجمالية تقدر بنحو 3.5 مليار دولار.

وأوضح أن المشروع شهد توقيع الحزمة الثانية من عقود الإنجاز في أبريل 2026، بقيمة تجاوزت 635 مليون دولار، في خطوة جديدة ضمن مسار تنفيذ هذا المشروع الزراعي والصناعي المتكامل، الذي يستهدف تعزيز قدرات الجزائر في إنتاج الحليب ومشتقاته، وتقليص الاعتماد على الواردات، ودعم الأمن الغذائي.

ويُعد المشروع من أبرز الاستثمارات القطرية في الجزائر، بالنظر إلى حجمه وطبيعته المتكاملة، إذ يجمع بين الإنتاج الزراعي وتربية الأبقار وإنتاج الأعلاف وتصنيع الحليب المجفف واللحوم الحمراء.

وفي القطاع الصحي، أشار السفير إلى التقدم في إنجاز المستشفى الجزائري القطري الألماني، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 300 سرير، بميزانية تقارب 300 مليون دولار، ويستهدف استقبال نحو 250 ألف شخص سنوياً، بما يعزز قدرات المنظومة الصحية الجزائرية ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون في الخدمات الطبية والاستشفائية.

مليار دولار لتوسعة مركب بلارة للحديد والصلب

وفي المجال الصناعي، لفت السفير الجزائري إلى إطلاق الشركة الجزائرية القطرية للصلب المرحلة الثانية من مشروع توسعة مركب بلارة بولاية جيجل في أبريل 2026، مع ضخ مليار دولار كدفعة أولى، ضمن مشروع تبلغ تكلفته الإجمالية نحو 4 مليارات دولار.

ويستهدف المشروع مضاعفة الطاقة الإنتاجية للمركب لتصل إلى 4 ملايين طن سنوياً، بما يعزز موقع الجزائر في صناعة الحديد والصلب، ويدعم قدراتها الإنتاجية والتصديرية، ويوفر فرصاً إضافية للتنمية الصناعية.

وتعكس هذه المشاريع تنوع الاستثمارات القطرية في الجزائر، التي لم تعد تقتصر على قطاع بعينه، بل تمتد إلى قطاعات استراتيجية ترتبط بالأمن الغذائي والصحة والصناعة، وتوفر فرصاً لتطوير سلاسل الإنتاج المحلية وتعزيز القيمة المضافة للاقتصاد الجزائري.

تعاون في الطيران والاتصالات والاستثمار

وعلى صعيد النقل الجوي، أشار السفير إلى توقيع شركتي الطيران في البلدين اتفاقية للرمز المشترك، مع توقع ارتفاع عدد الرحلات بين قطر والجزائر إلى 30 رحلة أسبوعياً خلال نحو شهرين، بما يعزز الربط الجوي ويسهل حركة المسافرين وقطاع الأعمال والسياحة.

وفي قطاع الاتصالات، استعرض نشاط شركة «أوريدو الجزائر»، التي يتجاوز عدد مشتركيها 16 مليون مشترك، باستثمارات تقارب 4 مليارات دولار، في مؤشر على حضور الاستثمارات القطرية في أحد القطاعات الحيوية للاقتصاد الرقمي.

كما أشار إلى استقبال وزير التجارة الخارجية وترقية الصادرات الجزائري، كمال رزيق، وفداً من رجال الأعمال القطريين، لبحث سبل تطوير الشراكة التجارية والاستثمارية، وتوسيع مجالات التعاون بين مؤسسات القطاع الخاص في البلدين.

اللجنة العليا المشتركة تمهد لمرحلة جديدة

وعلى المستوى السياسي والمؤسسي، أكد السفير عطية أن العلاقات بين الدوحة والجزائر تقوم على الاحترام المتبادل والتشاور المستمر، مشيراً إلى أن الزيارات المتبادلة بين الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وحضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، تعكس حرص قيادتي البلدين على الارتقاء بالتعاون الثنائي إلى مستويات أكثر تقدماً.

وأوضح أن عام 2026 شهد زيارات ولقاءات ثنائية شملت قطاعات الدفاع والعدل والطاقة والشفافية والمالية والاستثمار، إلى جانب التحضير لعقد الدورة السادسة للجنة العليا المشتركة القطرية الجزائرية، المرتقب تنظيمها في الجزائر مطلع عام 2027.

ومن المنتظر أن تشكل الدورة المقبلة فرصة لمراجعة مسارات التعاون القائمة، وبحث مشاريع واتفاقيات جديدة، وتوسيع الشراكة الاقتصادية والتجارية، بما يتناسب مع الإمكانات التي يمتلكها البلدان.

المركز الثقافي الجزائري بالدوحة مطلع يناير

وفي المجال الثقافي، أعلن السفير الجزائري الاستعداد للافتتاح الرسمي للمركز الثقافي الجزائري في الدوحة مطلع يناير المقبل، في خطوة تستهدف تعزيز التبادل الثقافي والتعريف بالتراث الجزائري، وتوسيع أواصر التواصل بين الشعبين.

ويمثل المركز إضافة إلى الحضور الثقافي الجزائري في قطر، ومنصة للتعريف بتاريخ الجزائر وفنونها وأدبها وموروثها الحضاري، إلى جانب تنظيم الأنشطة والفعاليات التي تعزز التقارب بين المجتمعين.

تاريخ مشترك من التضامن والمواقف

وفي استعراضه للجذور التاريخية للعلاقات، استذكر السفير صالح عطية مواقف التضامن الشعبي والرسمي القطري مع الثورة الجزائرية، مشيراً إلى مساهمة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، في طفولته، في جمع التبرعات لدعم الثورة الجزائرية مع زملائه في المدارس، وهو ما كُرّم على إثره بوسام الثورة الجزائرية المجيدة.

كما استحضر موقف الشيخ أحمد بن علي بن عبد الله آل ثاني، حاكم قطر آنذاك، الذي وضع قصره في سويسرا تحت تصرف الوفد الجزائري خلال مفاوضات إيفيان عام 1961، ورفع العلم الجزائري فوقه دعماً للثورة.

وتوقف كذلك عند تنظيم الشيخ جاسم بن حمد بن عبد الله آل ثاني، أول وزير للتربية في قطر، أسبوعاً لنصرة القضية الجزائرية عام 1962، بمشاركة الشاعر مفدي زكريا، مؤلف النشيد الوطني الجزائري، الذي عبّر في قصائده عن تقديره لقطر وأهلها ومواقفهم التضامنية.

وأكد السفير أن ثورة أول نوفمبر 1954 تظل محطة مفصلية في تاريخ الجزائر، مستذكراً تضحيات أكثر من مليون ونصف المليون شهيد، و132 عاماً من المقاومة الشعبية ضد الاستعمار الفرنسي.

الجزائر تسجل نمواً اقتصادياً وتوسعاً استثمارياً

وفي سياق استعراض مؤشرات التنمية في بلاده، أشار السفير إلى استمرار جهود الجزائر لتحسين الخدمات العامة وتعزيز الحماية الاجتماعية، موضحاً أن ميزانية التحويلات الاجتماعية بلغت نحو 22 مليار دولار خلال عام 2026.

كما أشار إلى توقعات بتحقيق نمو اقتصادي يتراوح بين 3.9 و4.3 بالمئة، إلى جانب تسجيل أكثر من 22,300 مشروع استثماري بقيمة إجمالية تقدر بنحو 70 مليار دولار، مع استمرار تنفيذ مشاريع في قطاعات الصناعة والنقل والطاقة.

وفي ختام كلمته، جدد السفير التأكيد على دعم الجزائر للقضية الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني، وضرورة التوصل إلى تسويات سلمية للأزمات، مشيداً بدور دولة قطر في جهود الوساطة ودعم الشعب الفلسطيني.

وتعكس المشاريع المشتركة بين قطر والجزائر توجهاً نحو بناء شراكة اقتصادية متعددة القطاعات، تستند إلى استثمارات طويلة الأجل ومصالح متبادلة، بما يعزز فرص التنمية ويوسع آفاق التعاون بين البلدين.

Shares: