عادت أسعار الذهب إلى الارتفاع خلال تعاملات اليوم الاثنين، بعدما تعرضت لموجة بيع قوية في نهاية الأسبوع الماضي دفعت المعدن الأصفر إلى أدنى مستوياته منذ أكتوبر 2025، في وقت ساهم فيه تراجع أسعار النفط في تهدئة المخاوف المرتبطة بالتضخم، وسط استمرار حالة الترقب بشأن توجهات مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي (البنك المركزي) حيال أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة.

وارتفع الذهب في المعاملات الفورية بنسبة 0.7% ليصل إلى 3900.90 دولار للأوقية (الأونصة)، مستعيداً جزءاً من خسائره الأخيرة، بعدما سجل مستويات متدنية خلال جلسة الجمعة الماضية.

كما صعدت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم ديسمبر بنسبة 0.3%، لتسجل 3909.70 دولار للأوقية، في إشارة إلى تحسن نسبي في شهية المستثمرين تجاه المعدن النفيس بعد التراجعات الحادة التي شهدتها الأسواق.

وجاء هذا التعافي بعد هبوط الذهب بنسبة 3.5% يوم الجمعة، عندما فقد المعدن الأصفر مستوى 4000 دولار للأوقية، مسجلاً أدنى مستوياته منذ أكتوبر 2025، في واحدة من أبرز موجات التصحيح التي شهدها سوق المعادن النفيسة خلال الفترة الأخيرة.

أسعار الذهب
أسعار الذهب

تراجع النفط يمنح الذهب فرصة للتعافي

ساهم انخفاض أسعار النفط في دعم أسعار الذهب خلال تعاملات اليوم، بعدما تراجعت أسعار الخام بأكثر من 3%، وهو ما خفف المخاوف من استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة.

وجاء تراجع النفط في أعقاب تقارير عن استمرار المحادثات الإيرانية القطرية في الدوحة لليوم الثالث على التوالي، بهدف التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، الأمر الذي عزز آمال الأسواق بإمكانية تهدئة المخاطر المرتبطة بإمدادات الطاقة.

وتؤثر أسعار النفط بصورة مباشرة في توقعات التضخم، إذ يؤدي ارتفاع تكاليف الطاقة إلى زيادة نفقات النقل والإنتاج، وهو ما قد ينعكس على أسعار السلع والخدمات، ويدفع البنوك المركزية إلى الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.

وفي المقابل، يمنح انخفاض أسعار النفط الأسواق فرصة لإعادة تقييم توقعات التضخم والسياسة النقدية، وهو ما قد يدعم الذهب باعتباره أحد الأصول التي يلجأ إليها المستثمرون للتحوط من المخاطر الاقتصادية والمالية.

أسعار الذهب
أسعار الذهب

الفيدرالي الأمريكي يضغط على توقعات الذهب

رغم التعافي المسجل اليوم، لا تزال أسعار الذهب تواجه ضغوطاً مرتبطة بتوقعات السياسة النقدية الأمريكية، خصوصاً بعد تصريحات عدد من مسؤولي مجلس الاحتياطي الاتحادي التي أبدت ميلاً إلى مواصلة التشديد النقدي لمواجهة استمرار التضخم.

وكان البنك المركزي الأمريكي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير خلال اجتماعه الأخير، غير أن تصريحات مسؤوليه أعادت إلى الواجهة احتمالات رفعها خلال اجتماع ديسمبر المقبل.

وبحسب تقديرات الأسواق، بلغت احتمالات رفع الفائدة الأمريكية في ديسمبر نحو 73%، وفق أداة «فيد ووتش» التابعة لمجموعة بورصة شيكاغو التجارية.

وتكتسب هذه التوقعات أهمية خاصة بالنسبة للذهب، الذي لا يدر عائداً لحائزيه، إذ يؤدي ارتفاع أسعار الفائدة إلى زيادة جاذبية الأصول المدرة للعوائد، مثل السندات وأدوات الدين، مقارنة بالاحتفاظ بالمعدن الأصفر.

كما أن استمرار قوة الاقتصاد الأمريكي وارتفاع عوائد السندات يمكن أن يعززا جاذبية الدولار، وهو ما يشكل عاملاً إضافياً للضغط على أسعار الذهب، باعتبار أن ارتفاع العملة الأمريكية يجعل شراء المعدن النفيس أكثر تكلفة بالنسبة لحائزي العملات الأخرى.

أسعار الذهب
أسعار الذهب

لماذا تراجع الذهب بهذه الحدة؟

لم تقتصر خسائر الذهب الأخيرة على تأثير توقعات أسعار الفائدة والتضخم، بل تزامنت أيضاً مع اضطرابات في أسواق الأسهم العالمية، خصوصاً أسهم شركات التكنولوجيا، الأمر الذي دفع بعض المستثمرين إلى تسييل مراكزهم الاستثمارية لتوفير السيولة وتغطية خسائرهم والتزاماتهم المالية.

وأدى تراجع أسهم التكنولوجيا إلى موجة بيع امتدت إلى عدد من الأصول الأخرى، من بينها الذهب، الذي كان يُنظر إليه تقليدياً باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الاضطرابات.

غير أن الحاجة إلى السيولة دفعت بعض المستثمرين إلى بيع أصولهم، حتى تلك التي تستخدم عادة للتحوط من المخاطر، وهو ما ساهم في تسريع وتيرة هبوط المعدن الأصفر.

وأشار محللون إلى أن عمليات البيع الفنية ومخاوف السيولة تلقي بظلالها حالياً على جاذبية الذهب الاستثمارية على المدى الطويل، رغم استمرار العوامل التي تدعم الطلب عليه باعتباره مخزناً للقيمة.

الفضة والبلاتين والبلاديوم تلحق بمكاسب الذهب

وامتدت موجة التعافي إلى بقية المعادن النفيسة، حيث سجلت الفضة ارتفاعاً أكبر من الذهب خلال تعاملات اليوم.

وصعدت الفضة في المعاملات الفورية بنسبة 1.8% لتصل إلى 49.97 دولار للأوقية، مستعيدة جزءاً من خسائرها الأخيرة، بعدما تعرضت لضغوط بيعية دفعتها إلى النزول دون مستوى 50 دولاراً.

كما ارتفع البلاتين بنسبة 0.1% ليصل إلى 1432.63 دولار للأوقية، فيما استقرت أسعار البلاديوم عند 976.31 دولار.

وكانت المعادن النفيسة قد شهدت تراجعات متزامنة خلال جلسة الجمعة، مع تصاعد عمليات البيع في الأسواق المالية، حيث سجلت الفضة خسائر حادة، فيما هبط البلاديوم إلى ما دون مستوى 1000 دولار للأوقية.

وتعكس هذه التحركات استمرار ارتباط أداء المعادن النفيسة بمجموعة من العوامل، تشمل توقعات أسعار الفائدة، وحركة الدولار، وأسعار الطاقة، إضافة إلى التطورات الجيوسياسية وحاجة المستثمرين إلى السيولة.

الفضة
الفضة

الأسواق تترقب مسار الذهب خلال الفترة المقبلة

وتدخل أسواق المعادن النفيسة مرحلة من الترقب، مع استمرار التباين بين العوامل الداعمة للذهب والضغوط التي تحد من ارتفاعه.

فمن جهة، يمكن أن يدعم تراجع أسعار الطاقة وانحسار المخاوف التضخمية الطلب على المعدن الأصفر، خصوصاً إذا انعكس ذلك على توقعات السياسة النقدية الأمريكية.

ومن جهة أخرى، فإن استمرار احتمالات رفع الفائدة، وقوة الاقتصاد الأمريكي، وارتفاع جاذبية الأصول المدرة للعوائد، قد تبقي الذهب تحت الضغط خلال الفترة المقبلة.

كما ستظل التطورات الجيوسياسية وحركة أسواق الأسهم العالمية من العوامل المؤثرة في قرارات المستثمرين، في ظل استمرار التقلبات التي شهدتها الأسواق خلال الأيام الماضية.

وبينما نجح الذهب في استعادة جزء من خسائره والعودة إلى محيط 3900 دولار للأوقية، لا تزال الأسواق تنتظر مؤشرات أكثر وضوحاً بشأن التضخم والفائدة الأمريكية، لتحديد ما إذا كان الارتفاع الحالي بداية لتعافٍ أوسع أم مجرد ارتداد مؤقت بعد موجة البيع الحادة.

Shares: