بدأت المدارس الحكومية في دولة قطر تطبيق بطاقات تعليمية جديدة تهدف إلى إدماج مفاهيم الاستدامة في المناهج الدراسية والأنشطة الصفية، ضمن مبادرة تستهدف تحويل المعرفة النظرية إلى ممارسات يومية، وتعزيز وعي الطلبة بأهمية المحافظة على البيئة والموارد والمسؤولية تجاه المجتمع.

وتأتي هذه الخطوة ضمن مخرجات مختبر قطر للاستدامة 2026 ، الذي نظم خلال الفترة من 25 إلى 27 أكتوبر الماضي، بمشاركة وزارة التربية والتعليم والتعليم العالي بصفتها شريكاً استراتيجياً في أسبوع قطر للاستدامة 2026، حيث جرى تطوير البطاقات التعليمية من خلال ورش التدريب والتصميم المشترك بمشاركة كوادر تربوية ومتخصصين في المناهج والتعليم.

ويستمر تفعيل هذه البطاقات في المدارس الحكومية، بمراحلها الابتدائية والإعدادية والثانوية، حتى 5 نوفمبر الجاري، في إطار الانتقال من مرحلة إعداد التصورات والأدوات التعليمية إلى تطبيقها داخل الفصول الدراسية، وربط مفاهيم الاستدامة بمختلف المواد والمقررات الدراسية.

8 مواد دراسية لدمج الاستدامة في المناهج القطرية

تشمل المبادرة ثماني مواد دراسية هي التربية الإسلامية، واللغة العربية، والدراسات الاجتماعية، واللغة الإنجليزية، والعلوم، والرياضيات، والحوسبة وتكنولوجيا المعلومات، والفنون البصرية.

وتعتمد آلية التطبيق على توظيف البطاقات التعليمية في الدروس اليومية، وفق طبيعة كل مادة ومرحلته الدراسية، مع مراعاة نواتج التعلم والخطط الفصلية، بما يتيح للمعلمين تقديم مفاهيم الاستدامة بأساليب تفاعلية تتجاوز الشرح التقليدي.

وتستهدف هذه المقاربة ربط المعارف الأكاديمية بالقضايا المرتبطة بالحياة اليومية، بحيث يتعرف الطلبة على أبعاد الاستدامة من خلال موضوعات دراسية مألوفة، ويتعلمون كيفية تحويل ما يكتسبونه داخل الفصل إلى سلوكيات وممارسات عملية في المدرسة والمنزل والمجتمع.

كما تسهم البطاقات في تعزيز التفكير والمشاركة والعمل الجماعي، وإتاحة الفرصة أمام الطلبة لتبادل الأفكار واقتراح حلول عملية للقضايا المرتبطة بالاستهلاك المسؤول والمحافظة على الموارد والبيئة.

رؤية قطر الوطنية 2030 حاضرة في الأنشطة التعليمية

تكتسب المبادرة أهميتها من ارتباطها بركائز رؤية قطر الوطنية 2030، التي تقوم على التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، إذ تسعى إلى تعريف الأجيال الجديدة بمفهوم الاستدامة باعتباره مسؤولية مشتركة تتطلب تكامل المعرفة والسلوك والممارسة.

ولا يقتصر التطبيق على الجانب البيئي، بل يمتد إلى ترسيخ القيم الاجتماعية والاقتصادية، وتعريف الطلبة بأهمية المسؤولية الأسرية والمجتمعية، والمحافظة على الموارد، والمشاركة الإيجابية في بناء مجتمع أكثر وعياً واستدامة.

وشهد اليوم الأول من التطبيق توظيف البعد الاجتماعي للاستدامة في درس «بر الوالدين» بمادة التربية الإسلامية، من خلال أنشطة تربط القيم الأسرية بالسلوك اليومي والمسؤولية تجاه الآخرين، إلى جانب استخدام وسائل تعليمية تفاعلية تشجع الطلبة على العمل الجماعي وتبادل الأفكار.

ويعكس هذا النموذج توجه المبادرة نحو توسيع مفهوم الاستدامة، وعدم حصره في موضوعات البيئة وإعادة التدوير، بل تقديمه باعتباره ثقافة متكاملة تشمل العلاقات الإنسانية والسلوك الاجتماعي والوعي الاقتصادي.

التربية والتعليم تعلن استئناف الدراسة حضوريًا في قطر غدًا الأحد
التربية والتعليم تعلن استئناف الدراسة حضوريًا في قطر غدًا الأحد

أنشطة مدرسية تتجاوز الفصول الدراسية

وبالتوازي مع تفعيل البطاقات التعليمية، تتضمن المبادرة مجموعة من الأنشطة اللاصفية التي تستهدف توسيع مشاركة الطلبة في نشر ثقافة الاستدامة داخل المدارس.

وتشمل هذه الأنشطة تنظيم فقرات «صباح وتحدي الاستدامة» عبر الإذاعة المدرسية والطابور الصباحي، إلى جانب إقامة المعارض الطلابية، وتنفيذ أعمال إعادة التدوير، وتقديم المسرحيات والأنشطة التوعوية باستخدام وسائل إعلامية متنوعة.

وتوفر هذه الأنشطة مساحة للطلبة للمشاركة في مبادرات عملية، والتعرف على طرق الحد من الهدر وإعادة استخدام المواد، فضلاً عن تعزيز دورهم في نشر السلوكيات الإيجابية بين زملائهم وأفراد المجتمع.

كما تسهم في جعل المدرسة بيئة تعليمية تطبيقية، لا يقتصر دورها على نقل المعلومات، وإنما يمتد إلى بناء عادات وسلوكيات مسؤولة يمكن أن تستمر مع الطلبة خارج أسوار المؤسسة التعليمية.

تأهيل المعلمين قبل الانتقال إلى التطبيق

واستندت المبادرة إلى مرحلة تدريبية سبقت التطبيق المدرسي، حيث شارك معلمون واختصاصيون في برنامج متخصص استضافه معهد الدوحة للدراسات العليا، بالتعاون مع مركز التدريب والتطوير بوزارة التربية والتعليم والتعليم العالي.

واستمر البرنامج ثلاثة أيام بإجمالي 15 ساعة تدريبية، بمشاركة فرق تخصصية من المعلمين واختصاصيي المناهج والمعايير والتوجيه التربوي، بهدف تصميم تطبيقات تعليمية تفاعلية تربط المناهج القطرية بأولويات الاستدامة الوطنية.

وتولى المشاركون تطوير أفكار ووسائل تعليمية قابلة للتطبيق داخل الفصول، بما يساعد المعلمين على إدماج مفاهيم الاستدامة في الدروس اليومية، والاستفادة من استراتيجيات التدريس الحديثة والتكنولوجيا والوسائل التعليمية المبتكرة.

مدارس قطرية تنقل مخرجات المختبر إلى الفصول الدراسية

وفي سياق التطبيق الميداني، أكد الأستاذ محمد ياسين الحمادي، مدير مدرسة قطر للعلوم المصرفية وإدارة الأعمال الثانوية للبنين، أن مشاركة المدرسة في مختبر قطر للاستدامة 2026 تعكس حرصها على تحويل مفاهيم الاستدامة إلى ممارسات تعليمية واقعية، تسهم في تنمية وعي الطلبة وتعزيز مسؤوليتهم تجاه البيئة والمجتمع والاقتصاد.

وأوضح أن المدرسة عملت على تطبيق مفهوم «المختبر الحي»، من خلال إشراك المعلمين بمختلف التخصصات في دمج مفاهيم الاستدامة ضمن الدروس اليومية، باستخدام البطاقات التعليمية والتطبيقات الصفية واستراتيجيات التدريس الحديثة، إلى جانب توظيف التكنولوجيا والوسائل المبتكرة.

وأشار إلى أن المدرسة حرصت على نقل مخرجات البرنامج التدريبي إلى البيئة المدرسية، عبر تفعيل البطاقات داخل الفصول وتنفيذ أنشطة تربوية متنوعة، فضلاً عن تخصيص فقرات توعوية في الطابور الصباحي تناولت أهمية الاستدامة بأبعادها البيئية والاجتماعية والاقتصادية.

وأكد الحمادي أن المبادرة تستفيد من تكامل الجهود بين المؤسسات التعليمية والجهات الوطنية والأكاديمية، ومنها وزارة البيئة والتغير المناخي، واللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، ومعهد الدوحة للدراسات العليا، ومكتب اليونسكو الإقليمي، ومركز إرثنا.

من جانبها، أوضحت حصة البنعلي، مديرة مدرسة الهدى الابتدائية للبنات، أن المدرسة بدأت تفعيل البطاقات التعليمية خلال الحصص الدراسية، بالتوازي مع تنظيم أنشطة لاصفية ومبادرات طلابية تربط المفاهيم التعليمية بالممارسات اليومية.

كما أشارت بشاير الشهراني، منسقة الدراسات الاجتماعية في المدرسة، إلى أن التجربة أتاحت تبادل الخبرات وتطوير أفكار جديدة لربط مفاهيم الاستدامة بالمناهج الدراسية، من خلال البطاقات والأنشطة والمبادرات التي تشارك فيها الطالبات.

التعليم المستدام.. من اكتساب المعرفة إلى تغيير السلوك

وتعكس هذه المبادرة توجهاً نحو توسيع دور المناهج الدراسية في إعداد جيل أكثر وعياً بقضايا الاستدامة، من خلال الانتقال من تقديم المعلومات إلى إتاحة فرص تطبيقها في الحياة اليومية.

كما تبرز أهمية الاستثمار في تدريب المعلمين وتطوير أدوات التدريس، باعتبارهم حلقة الوصل الأساسية بين المبادرات الوطنية والطلبة داخل الفصول الدراسية.

ومع استمرار تفعيل البطاقات التعليمية حتى 5 نوفمبر، تتجه التجربة إلى ترسيخ مفهوم المدرسة بوصفها بيئة حاضنة للممارسات المستدامة، بحيث لا تبقى الاستدامة موضوعاً تعليمياً مؤقتاً مرتبطاً بفعالية أو أسبوع محدد، وإنما تتحول إلى ثقافة وسلوك يمتد أثرهما إلى المجتمع القطري.

Shares: